منتدى جمعية الوشم الأدبي ببنقردان فضاء مفتوح لكل المبدعين
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 دراسة نقدية حول المجموعة القصصية الوطن لا يطير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سالم دمدوم

avatar

عدد الرسائل : 22
تاريخ التسجيل : 04/01/2008

مُساهمةموضوع: دراسة نقدية حول المجموعة القصصية الوطن لا يطير   الثلاثاء مارس 25, 2008 3:21 pm

ملامسات

[ "الوطن لا يطير "
مجموعة قصصية لفاطمة الزياني
من بعيد

... لينتثر فتات لحمنا
على جناح عيشنا الغريب
و لنقترب في قفار العمر و السهوب
و لننكسر في كل يوم مرتين
فمرة حين نقابل الضياء
و مرة حين تذوب الشمس في الغروب.
- صلاح عبد الصبور- أحلام الفارس القديم ]
نحن و الزمن
مشغولون بالأيام، و الأيام تنطر مرارة، يتأملـون الزمــن و الزمن شديد الرداءة، يتعاملون مع الواقع ، و الواقع العربي نار تتأجج! نار على شاشات التلفزيون، و في نشارات الأخبار وفي أعمدة الصحف، و على مواقع الإنترنات أيضا، و في ضمائر أغلب أبطال هذه القصص في مجموعة الوطن لا يطير... نــار تضــطـرم في أحشائهم و تدفعهم إلى الاحتجاج على هذا الزمن العقيم بكل الطرق و الأساليب.
و إذا الكاتبة امرأة تعي جيدا إنكسارات زمانها، مسكونة بالوجع القومي، ترسم بالكلمات مشاهد أليمة قاسية، تفجر في لوحاتها لهبا، و تقذف أقذع الشتائم، في وجه زمن حزين، شديــد القتامـة و الشحوب. يجعلنا
ننكسر كل يوم مرتين
مرة حين نقابل الضياء
و مرة حين تذوب الشمس في الغروب.
مقاتلة عنود، الإصرار سمتها و حب الوطــن هاجســها، و الكلمة سلاحها.
تستميت في التشبث بها، تتخذها دعامة و مرتكزا ضد السقوط ، لتظل واقفة متحدية ، تصارع الإعصار في إصرار، تحلم بغــد مشـرق و خلاص قريب .
يحيلني وضعها هذا على قولة للأديب الراحل " عبد الرحمان منيف " يقول فيها:
" مشكلتي، دون كلمات كبيرة: إن الألم يعتصر قلبي، ليس هذا جديدا بالنسبة للحياة التي أعيشها، و لكن الأمر في لحظات معينة، يبلغ حدا لا أستطيع احتماله! و مدام الأمر هكذا فالكلمات في أغلب الأحيان وسيلة لإنقاذي ."
و هكذا هم الأدباء و الفنانون، يبدعون الفن لكي لايموتوا بسبب الواقع كما يقول نيتشه. هذا هو الواقع، و تلك هــي عذاباته و همومه. يجعلنا أحيانا بين خيارين بائسين " فإذا لم نبك من الغيظ فإننا سنتقيّأ من التقزز " .
تقول يمنى العيد في كتابها " الكتابة تحول في تحول ":
" نكتب لنبتدع جسدا إشاريا، تتجدد فيه الحياة فتدوم "
و هكذا الكاتب يأسر الزمن، و يخلد الحدث، حتى يبقى حاضرا متوهجا، لا يناله النسيان، شاهدا على عصره، حجــة لـه أو عليه. و يبقى الواقع دائما مناط أفكـار المبــدع، و مصدر إلهام لا ينضب له معين، بمآسيه و أفراحه، بانتصاراتــه و انكسـارا ته. و الذين يكتفون بهزّ أكتافهم عندما تحدثهم عن الواقع من حولهم، إشارة إلى أن ذلك لا يعنيهم، و لا يهتمون إلاّ بأشيائهم الخاصــة، هم و لا شك أناس تافهون، والأبراج العاجية لم تعد تصلح مكانا للاختباء فوسائل الاتصال لم تترك لنا زاوية واحدة نلتجيء إليها. تلاحقنا باستــمرار، حتى في مخادعنا الخاصة، تغرق في الجليد دفء لحظاتنا الحميمة، حواجز كثيرة في عالمنا انهارت اليوم وصارت أثرا بعد عين، وأصبح ما يقع في أي مكان مهما كان قصيا، يصل إلينا بسرعة خرافية، نتأثر به شديد التأثر، سلــبا و إيجابـا. و صرنا نعي أكثر إنّ علاقتنا بهذا العالم، شديدة التشابك، فهو ملك لنا جميعا، لسنا طفيليين فيه، و كل إنخرام في مكان ما منه، سوف يصيبنا حتما لضاه.فكيف نتصور أن الآخر لا يعنينا.وأفعاله لا تهمنا ؟
هذه الخواطر تزاحمت في ذهني،وأنا أتصفح لأول مرة مجموعة الأديبة الشابة "فاطمة الزياني" الموسومة بـ –"الوطن لايطير "-الصادرة عن دار علاء الدين في سبتمبر 2004 دفعتني هذه الخواطر إلى قراءتها قراءة جديدة متمثلا بقولة " سانت بيف " الناقد الفرنسي القديم: " النقد هو أن تعرف كيف تقرأ نصا، قراءة جيّدة، بدون أن تتوقف لحظة، عن مواصلة تذوقه ولاستمتاع به ". وكانت غايتي إستمتاعا لا نقدا ...
حينما عمدت إلى ذلك، كانت المرارة طعما غالبا في جل النصوص، و القتام غشاء يجلل أغلب اللوحات التي ترسمها الكاتبة.
الموت يتوالد عن الموت، و الجثث تتناسل من الجثث، و الجرح مفتوح للفرجة ،و الصمت رهيب، و الغياب سيّد الموقف، و اللوحة لا يشيع فيها غير السواد. موضوع الرسم سكين لاغير و الرسّامة دميمة غريبة المنظر، تسبح عيناها الرصاصيتان، في ماء حاقد متجمد عجيب، بها شبق مفضوح، سادية النزعة، عدوانية الطباع، تنكب على رسم لوحة قاتمة بها سكين و لا شيء غيره ! و كأنما هي تنظر لعالم آخر، هل هي مبدعة لوحة العولمة ؟ هذه التي تحاول إبداع شرق أوسط جديد تقيمه بقوة السلاح ؟!
الرجل لا يجد إلا الصدّ و الإحباط ، الروائح كريهة، والرغبة في الكلام شديدة ولا من محاور و لا سامع ! عذاب يحسه البطل ويتألم به ولا يجد من يهتم به.لا الأصدقاء ولا العشيقة، ولا صاحب المقهى، ولا الجماهير في الملاعب، كلهم صامت متواطئ لا مبال، أصواتهم غائبة، و فعلهم منعدم، ولا اعتبار لهم، و لا لمواقفهم، تخلّوا عن المجابهة وركنوا إلى القعود و العجز فتناساهم التاريخ ومرّ.
وحده بطل القصة يصنع الإستثناء، مبشرا بأمل ما ... إذ يتخلص من سلبيته و يبادر بالفعل ، ينقذ الطائر من الموت و يحمل قطعة اللحم النازفة و يتجه بها أخيرا نحو تلك الرسامة، تلك التي تتأمل صورة سكينها المكتملة بوله مشبوه !... فيذيقها رعـبا هي الأخرى و لو مرة واحدة في حياتها. قد ينقلب السحر على الساحر أحيانا!
هكذا ينفتح الغرائبي على المأساوي، و هكذا تصير اللوحة شديدة القتامة، و فيها اكتناف للذّات أليم، ذات المبدعة التي تعي جيّدا ، ما في عالمنا من رداءة تصل إلى حدّ الغثيان. فتجــعل الغرائبي و اللامعقول وسيلة للتعبير عن واقع مأساوي فـاق كـل عجــيب و غريب .
يتخايل لي أحيانا ، طيف امرأة ما أشبهه بصاحبة المجموعة (هاته التي لم أسعد حتى الآن بالتعرف عليها شخصيا ). صورة تلك المرأة المناضلة التي قررت في لحــظة ضعف، أن تتخلى عن النزال و مصارعة الرداءة، فإذا هي توطن نفسها على الرضا بدور المرأة المتخاذلة المتخلية فعمدت إلى أدوات زينتها و هيأة نفسها و ذهبت إليه . إلى موعـد غـرام، و شيء ما لعله بوادر اليأس يهمس لها : " كفاك تصديّا و صداما ، ماذا جنـيت من الكلمات و الأحلام الكبيرة ..." ثم تكاد تعلن عجزها أثناء قمة اليأس " لا طاقة لي بالوقوف وحدي، وسط رعب شامل ".
هكذا نحن في لحظات اليأس، نلجأ إلى تبرير انهزاميتنا، و نكوسـنا عن أحلامــنا، و تزيين انكساراتنا، و نمني النفس بلحظات سعادة موهومة، و بأحلام متوهجة الفرحة لا وجود لها إلا في أوهامنا، غير أن بطلتنا لحسن الحظ لا لسوءه، لا يتوفر لها حتى الهروب . و لا تعيش أحلامها طويلا، تعكر صفوها ، و لحظات سعادتها الحالمة ، كوابيس الواقع الأليم ، الذي يترصدها في كل مكان ، و إذا صورة الطفل الصغير ، يصارع في اباء و صمود ، لافتكاك رغيفه بين أنياب كلب سائب ، و لا سلاح له غير البكاء ، ترجها رجّا، فتتماسك و تقلع عن الهروب و الخذلان و تعود لليقظة ... و قبل أن يخمد لظا هذا المشهد المؤلم في نفسها ، تهاجمها صورة أشد رعبا ، صورة طفل مزّقه الرصاص( بين أحضان أبيه ) ، فتلقي ببقية أدوات الزينة و تقرر التصدي مرة أخرى، و تعود إلى الكلمة من جديد ، تشهـرها سـلاحا في وجه الرداءة . و إذا الكلمة حوافّ أقداح مكسورة،تجرح و تدمي، و تؤلم كما هي لدى أمل نقل و لدى أحمد فؤاد نجم أيضا :
"مرّ الكلام
زيّ الحسام
يقطع مكان ما يمر" 1
عندما يصطبغ المكان من حولها بالأحمر القاني، يتضح المشهد بكل رعبه و ضراوته فتقرر بعد عذاب: أن لا وقت للحب ، و جبان من تخلى عن الصراع . و تصرخ أخيرا:
لابد لي أن أكتب ؟
و هكذا تبقى الكتابة متراسا يقاتل منه المبدعون، تلك مهمتهم التي لا يستطيعون التخلي عنها و قد لا يجيدون غيرها.
يحكى أن بيتهوفن كان معجبا بنابليون بو نابرت شديد الإعجاب، لكنه لم يقدم طلبا للانضمام إلى الحرب معه ، بل عكف في بيته يمارس مهمته الحقيقية، التي أهلته لها الطبيعة، وهي العطاء الفني فكتب واحدة من أجمل سانفونياته ، و هي الثالثة ، و أهداها لنابليون بونبارت ، ثم حرمه منها عندما تحول في نظره من بطل للشعب إلى عدوّ للشعب ...






-----------------------------------------------------

-مر الكلام ديمتر تونس 1983
أحمد فؤاد نجم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
دراسة نقدية حول المجموعة القصصية الوطن لا يطير
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقـــــى جمعيـــة الوشــــم الأدبــــي :: منتدى جمعية الوشم الأدبي :: منتدى النقد :: بوابة نقد السرد-
انتقل الى: