منتدى جمعية الوشم الأدبي ببنقردان فضاء مفتوح لكل المبدعين
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 خربشات على ضفة إصدار نقيشة على "خبر النقيشة"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الهادي العثماني

avatar

عدد الرسائل : 9
تاريخ التسجيل : 10/01/2008

مُساهمةموضوع: خربشات على ضفة إصدار نقيشة على "خبر النقيشة"   الجمعة يناير 09, 2009 10:32 am


قــراءة في روايــة :"خبر النقيــشة"
لســالم دمـدوم



كل عمل فني إيمان بخصوبة الذهن البشري والحياة البشرية والعالم المحيط بهما
وأعمال كل فنان تعبير عن مدى هذا الإيمان
يوسف الشارني
"دراسات في الأدب العربي المعاصر"

ليس اعتذارا... ولكنه إخبار
(ورقة منفصلة)

بدءا، اعترف أن الكتابات التي لا افهمها، هي الكتابات التي تشد اهتمامي أكثر. وهذا القول ليس مطلقا ولكني اعني به أن هذا النوع من الروايات التي ترتقي إلى مستوى من النضج الفني، وتحقق ارتفاعا نبيلا عن الاستسلام المهين لقارئ عرضي متطفل لتمتنع عن المحسوبين على المطالعة الجادة أولائك الذين يقتنون الكتاب لمجرد التباهي بامتلاكه أثاثا منزليا أو أداة مكتبية متروكة على الرفوف أو معروضة للزوار للافتخار بامتلاكه تظاهرا بالثقافة وادعاء للمعرفة دون العناية بقيمته الحقيقية أو اعتبار محتواه المعرفي، بلا ادراك واع لمسؤوليتهم تجاهه فيكتفون بامتلاكه، أو على أحسن الأحوال التبجح بأنهم اطلعوا على محتواه. ولست هنا بصدد تمجيد المؤلف و لا المؤلف، فقد افعل ذلك خارج هذه الورقات ربما، وقد لا افعله، فكلاهما ليسا بحاجة إلى ذلك...
كل قصدي أن انبّه: فلتصن الكتابة الإبداعية نفسها عن الادعياء لتتبوّأ مكانتها الجديرة بها لدى القراء الذين بكفاءتهم يصنعون بقراءتهم الجادة النص من جديد، ذلك أن القراءة عملية إبداعية وهي في الحقيقة كتابة أخرى للنص.
أن هذه الرواية دوّختني، وقد تهيّبت الكتابة عنها لفترة طويلة وبقيت أحوم حولها ردحا من الزمن غير قصير قبل أن أزج بنفسي في حضنها وأنحشر بين أحداثها فأنأى في متاهاتها لا اعلم لي وجهة ولا قرارا.
ولا اخفي عنكم أنها أقضّت مضجعي ليال طوالا، فقد استعصت عليّ واعصوصبت وتمنعت رغم مرافقتي لها لصيقا منذ بدايات نشأتها الأولى شذرات أفكار مشتتة في ذهن صاحبها، مشروعا مازال كاتبها يخطط له من بعيد، فقد كان يحدثّني قبل انطلاقه في كتابة النص عن تصوراته الأولية لهذا العمل الجديد ويشكو لي كثيرا من تردده طويلا في الإقدام على الانجاز أو الإحجام عنه، ولعل ذلك كان من الأسباب الرئيسية في اضطراب فهمي للكتاب، اذ بدل أن يكون ذلك معينا لي على فهم النص الروائي فقد انعكس فعله سلبيا ليعرقل في ذهني هذه العملية، فاختلطت عليّ الأمور وتداخلت الأحداث: لقد قضمت التفاحة فجّة. وأنا أرافق خطوات ما كتبه المؤلف في كل مراحله. واكبت نشأته لبنة لبنة ثم كان لي شرف الاطلاع على هذا المشروع، مخطوطا انتهى مهندسه من طرحه على الورق في نسخة أولية. وتواصلت رحلتي مع الكتاب خلال عملية الطبع التي أصيبت بعسر الولادة في تجربة أولى سماها كاتبها ولادة مشوّهة ورفضها لمجرد وجود بعض أخطاء مطبعية هيّنة أو لخلل فني خاص بهندسة النص على الورقة حرصا منه على احترام القارئ وسعيا لإرضائه، أو غيرة على إنتاجه ربما...
ورغم معاشرتي اللصيقة للنص، فقد أخفقت في السيطرة على المشهد الروائي العام وتراقصت أمامي ظلال كثيرة متداخلة ومربكة حتى اتهمت نفسي بالقصور فهادنت النص مدة ثم عدت إليه أخيرا قبل كتابة هذه الورقات ولم يبق على موعد تقديمها إلا نزر من الوقت قليل، ولكن اشهد مع ذلك أن قراءة الرواية قد حققت لي متعة أخرى لم تتح لي في مخالطتي لغيرها مما قرأت إلا نادرا.
هذا الكلام السابق كله ليس محاولة مني في التماس عذر أو البحث عن تبرير لموقفي، لقصوري دون إعطاء هذا الأثر حقه من الدراسة والتعمق والتحليل، فأنا أولى وأوّل من يتحمل مسؤولية ذلك اعتبارا لما تهيّأ لي من فرصة مواكبته منذ البدايات الأولى حتى استوى عملا فنيا متكاملا وانتهى كتابا مطبوعا بين يدي القارئ...ان هذا الكلام يخصني ولا أقصد به تحذيرا أو تنفيرا، ولا اتخذه ايعازا للترغيب في مطالعة هذا الكتاب وتحفيزا على اقتنائه. انه اعتراف وكفى واعلم أن هذا القول لا يخص القارئ في شيء فلكل قارئ إمكانياته الخاصة واستعداداته الشخصية وإستراتيجيته المعيّنة في التعامل مع الكتاب عموما ولكل قناعاته في مدى الإقبال أو عدم الإقبال على المطالعة كظاهرة تزدهر أو تضعف بين مختلف العصور ومن جيل إلى آخر تبعا لأسباب وظروف لسنا الآن في مجال ذكرها وتحديدها ولكن بعض ما قلت قد يعني بعض من جرّب عذابات التأليف والطبع، وخاض تجربة التوزيع المريرة وما يعتورها من إحباط، ولكن كل ذلك وأكثر منه لا يمنحنا ذريعة الاستقالة من الالتزام به فنحن مدعوون –كل من موقعه- إلى أن نصمد ونغالب لإعادة الاعتبار للكتاب أمام الوسائل المناوئة له ولنا في ذلك اعتبار وتقدير خاص لكل من تجرأ على خوض مغامرة الكتابة والإصدار في زمن كهذا أصبح فيه الكتاب آخر اهتمامات الناس.
الرواية التجديدية الجديدة:
خبر النقيشة نموذجا

يلاحظ المتتبع لحركة نمو الرواية العربية تطورا فارقا في هذا الجنس الأدبي خلال المرحلة الأخيرة بما يمثل دخولها طورا جديدا وتجديديا على مستوى الشكل والمضمون كليهما.
أما على مستوى الشكل فقد تخلصت الكتابة السردية وتحررت من الرومانسية والغنائية وانعتقت من مسار"الحكي" المطّرد والوصف المباشر للأحداث لتدخل عبر نماذج من هندسة البناء المعماري المختلف تجنّد له أدوات ووسائل نوعية بحيث استفادت من السينما والمسرح والفن التشكيلي والشعر وغيرها من الفنون الأخرى لتكتسب بذلك ظاهرتها الجديدة ضمن انساق توائم بين منطقها ومنطوقها وتوظّف اللغة عملية إبداعية فاعلة في انجاز المضمون والإحالة الايعازية على الهموم والاهتمامات التي يزخر بها النص الروائي الحديث.
أما على مستوى المضمون فقد تمردت الرواية الحديثة على الأطروحات الكلاسيكية وانتهجت القطيعة مع الإيديولوجيات والمثالية فانسحب البطل المحوري النموذجي ليصبح الحدث في حد ذاته هو البطل الحقيقي والغي الإطار المكاني والزماني. وتجاوز كتاب الرواية الجدد هيكلة نصهم على الابعاد الثلاث للمد الحدثي في تطور الحركة السردية الذي اعتمدته الرواية قديما طيلة مرحلة تاريخية ممتدة على مجال من الوقت غير قصير والذي يمثل اتجاه الأحداث عموديا بتطور ظاهرة التأزم تصاعديا إلى حد بلوغ العقدة وهي قمة التوتر ثم الانعراج باتجاه تنازلي نحو الحل وانفراج الأحداث لتصبح الكتابة الروائية اليوم مجموعة من التفاعلات والعلاقات الداخلية بين مجموعة من العقد والتازمات والانفراجات والأبطال والشخصيات المتراوحة بين الظل والضوء إلى جانب تقاطع المواضيع والاهتمامات وتنافرها أو تناسقها مع الخطوط المرسومة على مفارقات هي صورة أخرى لهذه الحياة الصاخبة المحتدمة بما فيها من أسئلة حارقة ومتاهات تأبى أن تتوقف عند نهاية ما. أنها تمثل بحثا دائبا عن أدوات جديدة تمنح الكاتب قدرات إضافية على التعبير عن علاقة الإنسان بواقعه المتغير.
الرواية الكلاسيكية توثيقا للواقع والرواية الجديدة تجسيد لرؤية لا يقينية في ما يستجد ضمن الواقع.
الروائي سابقا يتم العمل ويمكن منه قارئه جاهزا مستجيبا للاستهلاك السهل السريع أما روائي اليوم فانه يتعامل مع القارئ كشريك ويتعامل مع الرواية باعتبارها عملا فنيا مفتوحا لا نسخة من الحياة أو صورة طبق الأصل من الواقع اليومي المعيش، لذلك صارت العناية موجهة نحو التقنيات المعتمدة في بناء عمل فني ما وهذا ما يدعو إلى تمرد هذا الفن على ذاته بحيث يطرح كل ثوب له قبل أن يبلى معتمدا تقنيات متجددة متطورة تتشكل من الخطوط الدقيقة في تفاصيلها الصغرى لانساق الحياة المتغيرة باستمرار.
الرواية الجديدة ليست اطمئنانا ومناخات رضى بل هي حيرة وانبهار وطقوس شك وريبة وتردد نتيجة إفرازات الحضارة ورد فعل الإنسان تجاه ذلك. وتبرز تجليات الخطاب السردي خارج مناطق الايدولوجيا السائدة والذي تجاوزه النص الروائي الحديث ليطرح الإشكاليات المتعلقة بفن الرواية اتساقا مع التحولات الكبرى التي افرزها تطور الاتصال الجماهيري وقد بدأ هذا الفن يستقطب اهتمام النقاد والدارسين حتى لقد افتعل البعض صراعا وهميا على السيادة بين الرواية والشعر ولسنا نرى مبررا لافتعال ذلك بل ان الجنسين يتقاطعان ويتكاملان بدل أن يتزاحما على خريطة الإبداع الأدبي.

مدخــل:
الأرض تروي تاريخها نقشا على الأحجار-اثر الزمان على المكان-
الحياة تخلّد ذاتها بالنقش على صفحة الطبيعة من خلال نحت المناخ على التضاريس لترك بصمات تسعى صامدة لمغالبة الزمن: لوحات تشكيلية يرسمها عامل الوقت على وجه الأرض غضونا وأخاديد، ومن النقيشة ما لا يرى: نقش الأحداث على الذاكرة وآثارها على الوجدان خطوطا لها أسباب، كدمات وندوب لا تنسى.
من ها هناك تنطلق الرواية من عنوانها:" خبر النقيشة" والنقيشة نقوش، وشم على الجسد، تواشيح مطرزة على السجاد الشرقي، زخارف عربية على واجهات المساجد أو على أبواب القصور السلطانية وقبل ذلك كله، رسومات الإنسان البدائي على المغاور والكهوف الجبلية لغة أولية للتخاطب والتواصل وبث رسائل مرموزة مرورا بالعلامات التصويرية على رقيم الألواح الطينية في الحضارة السومرية القديمة في بلاد الرافدين من عهد آشور وكلدان، والكتابة المسمارية على أبراج بابل القديمة والكتابة الهيروغليفية في مصر منذ سنة 3000 ق م وغير خافية أهمية الكتابة ودورها في التاريخ تسجيلا لمسيرة الإنسان وتخليد عبقرية الأمم والشعوب وحفظ الذاكرة الجماعية حين يتلاشى المخزون الشفوي ويندثر. فلنكتب إذن. ولنقرأ أيضا ، فمن لا يقرأ لا يكتب طبعا،ولا ننسى أن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا بذلك في أول آية نزلت على نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في قوله:
بسم الله الرحمان الرحيم: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم،
صدق الله العظيم
نفتح باب الرواية
منذ البداية يحيّد الكاتب نفسه ويضفي على البطل اعتبارا سابغا عليه مواصفات البطولة فيجعله "رجلا متعدد المواهب له قدرة على تبليغ أفكاره للآخرين بطريقة مشرّفة وجذّابة"
ويبدو الكاتب شديد الحذر دقيق الاحتراز تجاه الجميع: الأحداث، الشخصيات والقارئ وما ينشأ عن ذلك من علاقات وتفاعلات ليضع القارئ أمام مسؤوليته منذ عتبة النص وهكذا يفصح المؤلف عن حياده التام تجاه الأحداث.
وإذا كان الكتّاب يبحثون لاهثين عن مادة خام لبناء أركان الحدث الروائي ويجدون في النبش في التفاصيل الدقيقة لنسيج خيوط النص فيكلفون أنفسهم عناء ويتحملون إجهادا لا مناص لهم منه لبلورة العملية الإبداعية فان صاحب "خبر النقيشة" قد استدعى الأحداث لتتهيأ له بيسر وسهولة إذ جعلها تسعى إليه بتلقائية تنم عن درجة عالية من الخبرة والكفاءة وهو يربط بينها وبين الشخصيات والموضوع والأحداث دون مشقة (أو هكذا يبدو) ويدفع بنا إلى الولوج المباشر والانخراط السريع في الالتحام بما يحدث وقد تحصن وورطنا، فألقى بنا في الخضم وانسحب ليوهمنا بالموضوعية والبراءة في، ومما يكتب، ولكنه يبقى هنالك على الطرف الآخر من الركح يدير الأحداث ويوجهها من خلف ستار (فقرة البداية) وحين يتسوغ الكاتب لبطله منزلا كان يسكنه في ما مضى طبيب سابق، يوفر له ذلك المدخل الضامن للتدرج بنا إلى خضم الأحداث التي تنطلق بنا من داخل حقيبة فيها ملف اصفر يحوي أوراقا مجهولة المصدر يعثر عليها الراوية في صندوق سيارته الخلفي يكتشف في ما بعد أن لا علاقة له بها، فتوحي البداية بنفس يحيلك إلى الروايات البوليسية، فالحقيبة توحي بالأسرار، وتغري بحب الاستصلاح ما يخلق لدى القارئ أسباب الرغبة، غير أن الراوية يحيد نفسه منذ المنطلق، ويضعك مباشرة في تيار الأحداث بسرعة وتتعقد لتجد نفسك في خضمها، تجوس مع شخوصها خلال مغامراتهم فلا تملك إلا أن تلتصق بهم وتتعقب في لهفة وشوق كل ما يحدث لكل واحد منهم فاعلا أو منفعلا... ان الطريقة التي تسرّبت بها تلك الحقيبة إلى حوزة البطل طريقة مشبوهة تثير الكثير من الشكوك التي تتسلل إلى مسرح الأحداث وتبقى مسيطرة عليها إلى آخر ردح فيها.
الحقيبة تحتوي على ملف أصفر، فيه أوراق تضعك مباشرة أمام لغز كبير يواجهك منذ الوهلة الأولى. انها حقيبة طبيب شاب كان يسكن ذلك البيت، وقد سافر مرتين خارج الوطن فقضى نحبه في المرة الأخيرة، هناك بعيدا خلف الحدود ودفع حياته ثمنا لتعاطفه مع الآخرين ممن هم في حاجة إلى خدماته، وحدها حقائبه عادت، تنعاه وتشهد بعبقريته وكفاءته الطبية ... هذه الأوراق لا تخص الطبيب نفسه، ولكنها تخص أحد مرضاه المسمى:"أحمد عنبه"، رجل لغز في ازدواج شخصيته التي تكشف عن فيلسوف معتوه أو معتوه فيلسوف فلا ندري أي الصفتين سبقت الأخرى، هل كان فيلسوفا انتهى به الأمر إلى الجنون أم أن الرجل جن فصار فيلسوفا (الورقة 2 ص 13).
لقد اتسم هذا الملف بالتداخل والغموض ليكون عنصر الإثارة مبنيا على ثنائية الوهم والواقع تنعقد فيه الأحداث على خط وسط بين الحقيقة والخيال في ما يحدث في حياة الإنسان العادي وما يضفيه المجتمع من هالات أسطورية ومزايدات في نقل الأخبار الغريبة والمستجدات المسترابة ( ارجع إلى الورقة الأولى ص 12).
ان احمد عنبه هذا شخصية غرائبية تنطوي على أسرار والغاز وأحاج بين اللوثة الفكرية والإشراق الروحي ولكنه مثقف من طراز عال بل و فيلسوف أيضا، وهو يذكرنا بمصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، شخصية جمعت كثيرا من المتناقضات ما جعلها محل اهتمام الناس والطلبة. رجل مصاب بالصرعة النفسية وله عالمه المليء بالأسرار والغوامض والإنسان بطبعه ميال إلى الخرافات والأساطير.
يقول (ص 14):" انظروا...هاهو الزورق يتقدم... انظروا....انظروا....نظرنا إلى البحر فإذا هو كالعادة ساكن هادئ، به موجات صغيرة تتكسّر عليها أشعة القمر وتتوجها أحيانا فقاقيع بيضاء ولا شيء غير ذلك ولكنه واصل قائلا: " الم تروها ....؟ تأملوا جيدا. انها علياء ومعها هدى....هيا معي نستقبلها".
هاهنا الحلقة المفقودة في حياة احمد عنبه. فمن هي علياء؟ وما علاقته بها؟ ومن هي هدى؟ وما علاقتها بعلياء؟... يا له من شخصية غريبة (احمد عنبه) يشد اهتمام المحيطين به يشد انتباههم و يستثير عطفهم ويرعبهم في نفس الوقت...، ثم نكتشف في ما بعد أن احمد عنبه الحالي كان في ما مضى دكتورا مشهورا قادرا في مهنته ونقرأ في:" صفحات من مذكرات الدكتور مسعود ص16" ما به تصبح الأمور جديّة وتشي الأوراق ببعض الحقائق التي تراءت لأحمد عنبه هذا الرجل الذي فقد عقله في خضم أحداث العالم، ولكنه وجد ذاته في هذا الهذيان الذي يفضح بعض الحقائق- واقع بعض الشعوب المنافقة في هذا الزمن الرديء- ويثير قضايا متزاحمة: سؤال الهوية، سطوة العلم والإعلامية، موقف من المعلوماتية التي تلغي وظيفة المكان والزمان وعلاقة الفرد يهما، وتهمش إنسانية الإنسان وهذه كارثة، نكبة تورث الشعور بالانبتات والتلاشي والذوبان.
يقول في الصفحة 17: " تجتاحني أحيانا حالة لامبالاة غريبة، لم يعد لأيّ شيء طعم: لا الشعر، ولا الفن، ولا الموسيقى. الأمكنة أصبحت تثير في نفسي نوعا من العداء لها...أحيانا أحاول أن أخلو بنفسي فلا أجد فرصة لذلك، تحاصرني الآلة من كل مكان. الحاسوب في المنزل، الحاسوب في المكتب وفي المحفظة والهاتف الجوال والقار والفضائيات على اختلاف أهدافها كلها تستبد بي ولا تترك لي فرصة الانفراد بذاتي كي ارتب نفسي من الداخل، أعيد تأثيث ذاتي على نحو صحيح".
ان الرجل يعيش فوضى داخلية عارمة كأغلبنا على كل حال، وهو يسعى إلى ترتيب فوضاه فلا يتمكن ويتساءل:" هل تغيّرت الأشياء أم أنا الذي تغيرت؟"
هذا السؤال المزعج الرهيب. من منا لم يسأله؟ ولكن من منا استطاع أن يجد له إجابة مؤكدة يطمئنّ إليها؟ ويبقى السؤال معلقا دون جواب، وثمة شعور بالإحباط واللامبالاة.
يقول:" بعد أن تمر العاصفة ويتوقف هدير الرعب، سيعود الهدوء إلى الأشياء..."
ولكن العواصف لا تهدا قبل أن تحطم كثيرا من المعالم، وتعبث بكثير من الأشياء وتبعثرها، فتخلّف وراءها وجها آخر بشعا دميما لحياة ممجوجة لن نستسيغها بسهولة. كل شيء قد تغيّر وفقد العالم براءته إلى الأبد في وضع دموي رهيب حيث انحسر دور الإنسان أمام العلم ليصبح مستهلكا غبيا. أن العلم يشيّئ العالم و " سيظل دائما ثمة أشرار يهيئون الولائم لكلاب البحر والبر وللآخرين مواكب العزاء والحسرة".
هكذا يكون انزياح الأحداث من الخيال إلى وصف الواقع الراهن، الواقع الثقافي المتداعي وعبودية الإنسان في حصار الآلة فهل أصبح التقدم العلمي والزحف الالكتروني لعنة؟ هاهو العالم يغتال الحب في فقد الدكتور مسعود لحبيبته التي وقع اغتيالها ذات سفرة وتكون فاجعة الغياب فكيف نستطيع أن نوفّق بين المحافظة على من نحب وتركه يمارس حقوقه وحريته العلمية والثقافية؟
قلنا أن احمد عنبه هو نفسه الدكتور مسعود الذي أصيب بصدمة نفسية سببت اختلال مداركه العقلية فوقع إيواؤه في المستشفى لمعالجته، ونشأت علاقة روحية وفكرية ووجدانية بينه وبين الدكتورة المتابعة لحالته: مطر عبد السلام. ان اختيار اسم مطر له دلالته النصية ولا يمكن أن يكون اعتباطيا. ان الحب يظل الملاذ الوحيد والأخير للهروب من روتينية الحياة، وعنجهية الحضارة التي همشت إنسانية الإنسان وثمة حرقة خفية لفاقد امرأة أحبها ذات جنون حبا خاطفا عاصفا ولكن لم يدم، حب استثنائي حدث بسرعة واختفى بسرعة مخلّفا وراءه حسرة واسى.
من جملة أوراق الملف كذلك، مذكرات ناظر المستشفى الذي يعالج فيه الدكتور مسعود، وجزء من رسالة قديمة، وأخبار في صحيفة. هكذا ينوع الكاتب أدوات صنع الحدث لتتداخل وتتضارب وتتناقض وتتكامل وتتماهى وتعمل على إرشاد القارئ بقدر ما تفتح له المتاهة وبالتوازي مع كل هذا يطفو على السطح نقد خفي لظاهرة النفاق في المجتمعات الدينية في تعاملها مع الدين ( انظر ص 30) حيث تبرز في غضون النص خطيئة الإنسان التي يسعى دائما إلى التكتم حيالها والتستر عليها ولكن:" كلنا لآدم وادم من تراب. والتراب، أي تراب يحتضن الصلوات، ويحتضن الخطايا أيضا.
هكذا يوظف الكاتب أوراق هذا الملف المريب للولوج إلى أطروحات فكرية خطرة وخطيرة وإثارة قضايا معاصرة كبرى تقلق بال كل واحد منا نحن أبناء هذا العصر المهجنين في مخابر العلم الحديث.
يتبع ....................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهادي العثماني

avatar

عدد الرسائل : 9
تاريخ التسجيل : 10/01/2008

مُساهمةموضوع: الجزء الثاني من دراسة خبر النقيشة   الجمعة يناير 09, 2009 10:36 am

على مستوى الهندسة المعمارية للهيكل البنيوي للرواية
[size=18]نلاحظ اشتمالها على جزئين:
1 – ورقات وتمثل عرضا لمحتويات الملف الذي وجد بالحقيبة المدسوسة قصدا في صندوق السيارة، وتوظيف ما تحمله من معلومات في إرساء القواعد والأسس التي ارتفع عليها بناء الرواية وقد كانت بمثابة المواد الأولية التي هيّأت لهذا البناء أن يقوم وان يثبت على أرضية صلبة وبمواصفات معمارية يطمأنّ إليها، هذه الورقات يمكن إدراجها تحت عنوان: الوثائق، وهي مجموعة من الأوراق عددها عشرة وتشتمل على: مذكرات ورسائل وأخبار صحفية، تصحبها أحيانا حواش وتعاليق وتغطي الجزء الأول من الرواية إلى حدود ص 43 ويمكن تصنيفها كما يلي:
أ) المذكرات: انهيار القناعات وامتداد دهاليز الرعب
ب) الرسائل: حسيس البوح الوجداني/ تواشيح اللغة على همس العواطف: وثمة مقاطع بنكهة الشعر: يقول في صفحة 27:" في عينيها تتألق الربى والسهول، وتتقافز في شبه سباق لاحتضان الالق والنور والزرقة العجيبة التي تتغلغل بها السماء في ابريل وماي، بذخ السنابل وخصب الحقول، غناء الرعاة وثغاء القطيع وميس القطا وهزج الحجل، وأنفاس المراعي".
ج) الأخبار الصحفية: صدى تخلخل البناء الاجتماعي: إيحاءات بعيدة ذات ملامح نقدية ومنها: احمد عنبه يتصدى إلى خزعبلات العقلاء، ص 32/33
د) مصادر مختلفة للخبر: لسان الشارع وتواتر الإنباء، ومنها : احمد عنبه يعالج جنون البقر ص31، إيحاءات بعيدة نشتمّ منها رائحة النقد السياسي للقوى المتغطرسة في العالم.
2 – الجزء الثاني من الرواية وهو الأطول ويمتد من ص 41 إلى صفحة 125: الخروج من الوثائق ويندرج تحت العناوين التالية:
الحلم / في صحبة الأميرة / خبر الدليلة / هندسة الروح / بوادر الشك / رحلة صيد / في ضيافة إبليس / هدايا إبليس / عودة الراهب البوذي / مخلفات الحلم / الحيرة
ويمثل ما كتب تحت هذا العنوان الأخير أطول فصل في الرواية كلها يمتد من ص 65 إلى ص125 محتلا بذلك ثلث مساحة الرواية، ما يؤكد أن هذا العمل الروائي إنما هو وليد حيرة ومثير للحيرة وممثل لها وان الحياة كلها سؤال وحيرة أمام كل شيء فيها ولا يسعد بها إلا من امتلك الاطمئنان الغبــي.
في النهاية يعود النص إلى الورقة عدد 10 ليختم بها هذا العمل الروائي بالوثيقة الأخيرة على كلمة "انظر" فعل أمر للغافل المطمئن المنساق مع التيار المتواطئ مع زيف القناعات ذلك الذي لا يستعمل النظر – والنظر نظران- فما أحوجنا إلى أن ننظر بتبصر ووعي إلى حالتنا البائسة في هذا العالم المليء بالتحديات الذي بدا الإنسان فيه يفقد إنسانيته أو يتنازل عنها. وما أحوجنا إلى أن نعمل التفكير في وضعنا الخادع و نعيد النظر في علاقتنا بكل هذا الطوفان الجارف من المظاهر الكاذبة حتى على مستوى العلم والدين .
و تكون الخاتمة بتعليق صغير ينبه إلى أن في الوثيقة اسطرا مشطوبة و تاريخا غير واضح – ومتى كان التاريخ واضحا وموضوعيا - و الإنسان الأناني يطمس معالمه و يغيره باستمرار بل و يدنّسه فلا شيء واضح لدينا في هذا الكون لا شيء يدعو إلى الاطمئنان.
وأخيرا يتوقف لكاتب عن الكتابة و تستمر أحداث الرواية خارج النص لتبقى مفتوحة على التأويل فاتحة في ذهن القارئ أبوابا لا متناهية للشك والحيرة، مجالا للتفكير وإعادة النظر في كثير من القيم والقناعات السائدة يقوّض بعضها بعضا، فالرواية في الحقيقة جملة من الثنائيات المتصارعة المتصادمة منها ثنائية الانتصار والانكسار في سيرة الدكتور مسعود/ احمد عنبه، ثنائية الوهم والحقيقة في (الحلم) و(مخلفات الحلم) ، ثنائية الزيف والصدق، الواقع والخيال، المادي والروحي... إلى آخر هذه الثنائيات المتضاربة التي انبنت عليها هذه الرواية المراوغة المبطنة صورة لحياة الإنسان الفرد يتلاشى أمام هيمنة المجتمع المنافق... فكيف يمكننا أن نميز بين الحقيقة والوهم...؟
كيــــف.............................؟؟.
نتهــــــى
الهادي العثـــماني
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
خليفة علي حداد

avatar

ذكر عدد الرسائل : 3
العمر : 47
البلد : تونس
الوظيفة : مدرس وكاتب
تاريخ التسجيل : 25/01/2009

مُساهمةموضوع: ابدعت   الأحد يناير 25, 2009 5:55 am

أبدعت يا سي الهادي Wink
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
خربشات على ضفة إصدار نقيشة على "خبر النقيشة"
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» "عقدة البدري" تهدي الحدود اللقب الثاني
» الشبل الصغير الشيخ " مؤمن أسامة " وخطبة بعنوان " وصف الجنة "
» " أرواح بريئة " تحلق فوق سماء المغار
» ملايين جنيه تكلفة برنامج "لعبة الحياة"
» زيارة"جميلة عفيف"لجماعة أولاد حسون محطة استراتيجية لتجاوز الأزمة

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقـــــى جمعيـــة الوشــــم الأدبــــي :: منتدى جمعية الوشم الأدبي :: منتدى النقد :: بوابة نقد السرد-
انتقل الى: