منتدى جمعية الوشم الأدبي ببنقردان فضاء مفتوح لكل المبدعين
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 خواطر حول أقصوصة :أمل لملاك الحاجي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سالم دمدوم

avatar

عدد الرسائل : 22
تاريخ التسجيل : 04/01/2008

مُساهمةموضوع: خواطر حول أقصوصة :أمل لملاك الحاجي   الإثنين مارس 02, 2009 12:07 pm

خواطر حول أقصوصة :أمل 1
للأديبة: ملاك الحاجي
بقلم سالم دمدوم




هذه الأقصوصة هزتني وأمتعتني حد النشوة ! رمتني على حافة الدهشة بصدقها وعفويتها وبساطتها وبحبكتها الجيدة وطهرها وعفتها أيضا ! لغتها بسيطة مشرقة ومعبرة وصادقة دسمة بمعانيها وبدقتها في التعبير عن هذه المعاني إلى جانب اقتدارها العجيب على ولوج نفس القارئ بكل سهولة ويسر لتنز رع مشاتل عطرة من الأفكار والأحاسيس والأحلام
موضوعها عادي جدا ومستهلك فلا يكاد يخلو أي نص سردي من قصة حب على امتداد تاريخ الأدب ، وطرقه يحتاج إلى مهارة خاصة في تقديمه إلى المتلقي وعرضه بطريقة مقنعة تستهويه وتشده إلى متابعة أحداثه . غير أن الكاتبة استطاعت مع ذلك شد القارئ إلى موضوعها فصار يهتم به ويتابع تطوره ليعرف نتيجة هذه العلاقة الناشئة والملتبسة بين الحبيبين العاشقين .
اختارت الكاتبة بطلين شابين( شرقيين ) رومانسيين وطاهرين لم تدنس مادية هذا الزمان فيهما عواطف الحب النبيل الطاهر والانجذاب الطبيعي نحو الآخر تدنيسا كاملا . فعلى امتداد القصة كلها لم نجد في سلوكهما ما يجرح الحياء ! وهي نزعة قل وجودها بين كثير من الكتاب في هذا الزمان ،حيث صار أغلبهم يقحم المشاهد الجنسية إقحاما في سرده استجداء لاستحسان القارئ وشده إلى موضوعه ! وكأن هذه الأقصوصة بذلك تبشر بما أصبح يعرف عند كثير من النقاد والمبدعين بالرومانسية الجديدة 1 .
بطلين عاديين من عائلاتنا التونسية المتواضعة كان كلاهما لا يترك لعواطفه مجالا للانفلات بعيدا عن الحكمة والتعقل ولم يكونا مع ذلك فيلسوفين ولا متعصبين متزمتين ! كانت المشاعر لديهما تعتمل في صمت ينساب لظاها حارقا حينا دافئا أحيانا تجللها أحيانا مسحة من الشك ! شك في مدى استجابة الآخر، وحيرة بين أي السبل يمكن أن يكون انسب للوصول لقلبه حتى التصريح بتلك الكلمة السحرية" أحبك " مشاعر الشك والحيرة هذه ولدت شيئا من الخوف أيضا وأضفت على أجواء القصة حميمية وعمقا. قصص الغرام إذا ما اختلطت بالخوف والحيرة والشك أصبحت كمعتق الخمر تأسرك,وتشدك بعنف فتقترب منها حتى تدمنها ثم لا تدري على إي الدروب ترميك كؤوسها !
استطاعت الكاتبة بناء القصة وأجادت غزل حبكتها على نول من الذكاء والمهارة ... شوقتنا طويلا إلى اللقاء وزرعتنا في غابات الشك والحيرة والتخوف ،أدخلتنا إلى حميمية مشاعرها حتى أحسسنا دفأها ولهيبها وارتعشنا لمخاوفها وصلينا في سرنا أن لا يخيب حبيبها ظنها ! ولا ندري كيف استطاعت أن تكسبنا إلى جانبها فأصبحنا متحمسين لقضيتها نتمنى لهذا الحب الناشئ أن يكبر ويزدهر !
حين طلب منها اللقاء كانت فرحتها كبيرة غير أن الشك مازال لم ينته بالمرة في كيانها! مازال يسبب لها شيئا من اضطراب وحيرة ولكن الفرحة العارمة باللقاء تتغلب على الشكوك والمخاوف
وتزرع بذور الأمل في نفسها فتستحيل أنثى عاشقة تستعجل القمر والساعة ترقب مجيء الصبح بفارغ الصبر . وحين كانت أمام مرآتها تتساءل : بأي ثوب من الأثواب تلقاه ، كانت أنثى عاشقة صادقة المشاعر ...تريد أن تكون جميلة جذابة في نظره تملأ عينيه وفؤاده وتنال إعجابه ليقول لها : أحبك ...
في مفصل من مفاصل الأقصوصة تطل بوادر نضج أنثوي تجعلها تقرأ حسابا للمستقبل وتجري في سرها بعض المقارنات تحس في اندفاعها إليه إنها غير عادية وان تصرفها خروج عن المألوف ففي العرف إن الذكر هو الذي يجري وراء الأنثى ويتقدم منها ويعرب لها عن حبه ، غير أن الحب يتدخل فيسكت صوت الرقيب ويكون اندفاع الأنثى ! كانت تشعر بغريزة الأنثى أنه يحبها ولكن شيئا ما يمنعه من البوح بذلك ويجعله محافظا على صمته ، هذا الصمت يحيرها ويؤلمها كثيرا ! (...من بين براثن صمته القاتل )هذه العبارة كم هي صادقة وضاجة ومتألمة معبرة بعمق عن إحساس البطلة بالحيرة والإحباط من جراء هذا الصمت القاتل الذي يصر عليه حبيبها مما يجعلها تتسلل إلى نفسية الذكر تحاول فهم هذه الأحاسيس والمشاعر التي تملي عليه هذا السلوك المنغلق أحيانا حيال الحبيبة ! وتتعجب في دهاء نسوي جميل :
(... غريب هو هذا الكائن الذي يسمونه الرجل ! )
إحساس بسيط وعادي تحسه الأنثى ولكن الكاتبة أجادت توظيفه واختارت زمن إظهاره وأحسنت التعبير عنه فكان جميلا وموحيا ومعبرا خير تعبير عن حيرتها وعذابها من جراء هذا التصرف الذي لا يرضيها ولا تعرف أسبابه ، وتظل عن طريق مونولوج داخلي تثير مسائل أنثوية تناقش سلوكات مشبعة بموروث المرأة الشرقية و طرق تعاملها مع الرجل في مثل هذه الحالات .وتصل بها هواجسها إلى حد التفكير في الابتعاد عنه ونسيانه ولكنها تعرف أن ذلك ما لا تستطيعه أبدا ، فالحب ولو من جانب واحد يشدها إليه بسلاسل قوية مؤلمة حتى ولو كانت من حرير مغلفة بمخمل الحب ! حالة الحب هذه والانجذاب القوي إليه تضفي عليها الكاتبة وشاحا من الغرابة إذ تصرح إنه لم يكن بمواصفات فارس أحلامها الذي رسمته بأنات في خلواتها إلى نفسها أثناء توهج الأنثى في كيانها ككل فتاة في جميع الدنيا ، فكيف تسلل حبه إلى قلبها ?. كثيرون غيره ركضوا وراءها ، حاولوا رمي شباكهم نحوها ولكنها لم تقع ! فلماذا هو?، هكذا تتساءل في سرها وحين تبد أ الحفر في دهاليز الماضي نكتشف علاقة طفولية كانت لها معه يوما وهما تلميذان بالمعاهد الثانوية ، والماضي كما قيل عربة تفاح جميلة تنأى محملة بروائح الحلم. وإذن فهذا الحبيب عائد من الماضي ، ربما من آخر طفولة أو بداية مراهقة أولى حيث جمعتهما صدفة ما غرست في نفسيهما براعم الحب الأولى حتى إذا ما جمعتهما هذه الصدفة مرة أخرى انتعشت تلك البراعم وتفتحت وتضوع أريجها منعشا لذيذا أيقظ ذلك الميل القديم ليصير حبا متوهجا!...
فعلت الأيام فعلها وكبرا وتغيرت فيهما أشياء
(... صار أنضج ومغمورا بالرجولة وكان وجوده يمنحها الأمان والسكينة ...)
هكذا تصرح وهكذا يخيل إليها أن حبها له أصبح أكبر من الرفض وأعصى على الكسر !وأن العلاقة بينهما سائرة حتما إلى نهاياتها السعيدة ، ينشأ هذا الوهم لدينا نحن القراء أيضا عندما تكون البطلة في الطريق إليه تدغدغها الأحلام وتهدهدها الأماني سعيدة بهذا اللقاء الذي طالما تمنته واستعجلت حدوثه وعلقت عليه الآمال فطارت فرحا عندما تغلب عن صمته وحدد لها موعدا للقاء
عندما يلتقيان تبلغ الأحداث ذروتها وتتصادم الرغبات وينهار صرح الآمال ! يفصح الحبيب عن أفكاره فإذا لوم وعتاب يبلغان حد التقريع والشتم آخذا عليها تغير سلوكها حتى صارت لديه امرأة أخرى لا تمت بصلة إلى الفتاة البريئة التي كانت في مخيلته والتي سبح مع طيفها في كل فلوات الأحلام
"أصبحت طموحاتك كبيرة وتطلعاتك أكبر واندمجت في نسق الحياة المتسارع وصرت امرأة أخرى لا أعرفها " 3
"غيَرتك الحياة كثيرا وطمست معالم البراءة التي أحببتك لأجلها..." 4
تصدم البطلة فتغضب وتنفعل بشدة ويختنق صوتها ولا ترد بشيء وتقرر إنهاء اللقاء. يحاول إبقاءها ولكنها تصر على الفراق "من فضلك دعني أرحل " . لم تقل (دعني أذهب) فالرحيل غير الذهاب والذين يرحلون عنا في الغالب لا يعودون ، ذكرياتهم وحدها قد تبقى ولكنها تظل تتآكل بمفعول الزمن حتى يلفها النسيان . فاستعمال كلمة الرحيل في هذه الحالة إيحاء بغربة المشاعر وفراق طويل .
منفعلة غاضبة تفارق حبيبها، وتعود إلى بيتها ،يعصرها الألم والإحباط والحيرة ونكتشف أنها ما زالت تحبه وأنه أسعدها بتأكيد حبه لها بالرغم من كل ما وقع وتعود الحيرة من جديد مسطبنة ذلك الحوار الداخلي الذي تعمد إليه الكاتبة عن طريق بطلتها لتطرح من ورائه أحدى المشاكل الاجتماعية التي وظفت نصها لمعالجتها وهي مشكلة الخطوبة واختيار زوج المستقبل ومواصفات كل من الفتى والفتاة التي يريدانها في القرين . فهي تعيب على الرجل نزعته الأنانية الساعية دوما وراء الامتلاك والوقوف أمام طموحات المرأة وأحلامها وعدم احترام ذاتيتها وخصوصيتها:
( لماذا لا يقبلها كما هي بكل ما فيها من تغيرات?! ألم تقبله هي دون أن تنبش في مدى اختلافه عن الصورة التي رسمتها سلفا لرجل أحلامها ?! )
وحين نتأمل ما طرحته هي من قضايا وإشكالات ومآخذ الرجل عليها والتي تغطي أغلب الصفحة الرابعة والثمانين نكتشف عمق النص ومدى صدقه وتغلغله في صميم مجتمعنا ليتصدى إلى ما نلاحظه لدى أغلبنا من انخراط غير مدروس في نسق الحياة المتسارعة بما فيها من ميل إلى المظاهر الزائفة ونزعة استهلاكية مبالغ فيها أحيانا زرعتها في حياتنا عولمة متوحشة لا مكان فيها للمشاعر النبيلة التي بدونها يصير البشر حيوانات سائبة لا غير ! هذه الإشكالات المتداخلة التي خالطت حياتنا وأثرت فيها وتكاد تفصلنا عن هويتنا وتقاليدنا استطاعت للأسف الشديد أن تفصل بين هذين الحبيبين وتكون سببا في فراق نتمنى أن لا يطول فالكاتبة بطريقة ما جعلت هذا الأمل قائما في نفوسنا
ينتهي هذا النص الجميل برسالة تكتبها البطلة إلى حبيبها رسالة قصيرة لا تتجاوز بعض الأسطر كلماتها قليلة ولكنها مشحونة بالمشاعر تزلزل الكيان ، منفعلة ورصينة نضاحة بالإخلاص والمودة يعصرها الألم والحسرة
"سأبتعد عنك لأني أحببتك .....) (إن حبك أصبح وطني الذي أسكنه ...) (أني رحلت لأني أحبك.)
تتوالى عبارات الحب في الرسالة لتؤكد مدى تعلق البطلة بحبيبها وإخلاصها لحبها بالرغم مما حصل وهكذا توحي لنا بأن الحب أكبر من كل المواصفات والمصالح والأنانيات والفلسفات يتحدى حتى الأعراف والقوانين وحين ينتهي الحب من حياتنا تصير أيامنا خواء وليالينا غربة واغتراب .ومن الخير لنا إذا أردنا حياة سعيدة أن نتواضع قليلا ونقيم علاقاتنا على الود والبساطة والتسامح والغفران .



---------------------------------------------------------------
1 منشورة بمجلة ألإتحاف مارس 2008 ص79
2 هو اتجاه جديد في القصة والرواية ظهر في السبعينيات من القرن الماضي عبرت عنه رواية بعنوان "قصة حب " للكاتب الأمريكي (إريك سيجال )جرى إعدادها فلما حقق نجاحا باهرا لم يكن يخطر على بال حتى مؤلفها نفسه وهي عبارة عن قصة عاطفية بين شابين تصور العواطف الإنسانية السهلة بعيدا عن المادية والإسفاف والمشاهد الجنسية ...
3 ص 84
4 نفس الصفحة
5 مجلة الإتحاف مارس 2008
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
خواطر حول أقصوصة :أمل لملاك الحاجي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقـــــى جمعيـــة الوشــــم الأدبــــي :: منتدى جمعية الوشم الأدبي :: منتدى النقد :: بوابة نقد السرد-
انتقل الى: