منتدى جمعية الوشم الأدبي ببنقردان فضاء مفتوح لكل المبدعين
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 غدا تخلع الشمس بردتها ( الجزء الأول )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سالم دمدوم

avatar

عدد الرسائل : 22
تاريخ التسجيل : 04/01/2008

مُساهمةموضوع: غدا تخلع الشمس بردتها ( الجزء الأول )   الإثنين مارس 02, 2009 12:19 pm

غدا تخلع الشمس بردتها
ديوان شعر للمبروك السياري



أريد أن استهل هذا الحديث بمقولتين وحكاية .المقولة الأولى لمحجوب بن ميلاد وهو يكتب قراءة عن مسرحية السد لمحمود المسعدي يقول فيها : "...فلأدفع إذا بعيدا عني جميع تلك الطرق المألوفة ،ولأحاول تجريد قلمي من الألف والعادة حسب تعبير المعتزلة ولأطلق العنان لفكري وعواطفي لا قيد يقيدها ولا مراعاة للصداقة تردعها ! رائدي الوحيد أن أقول ما أراه الحق والصواب وأن أعبر عن بعض ما تضطرب به نفسي من شتى الخواطر والآراء عند قراءة السد . 1"
أما المقولة الثانية فهي لسيد قطب رحمه الله استهل بها مقالا نقديا تناول فيه قصة "كفاح طيبة" لنجيب محفوظ يقول فيها : "أحاول أن أتحفظ في الثناء على هذه القصة فتغلبني حماسة ظاهرة لها وفرح جارف بها ! هذا هو الحق ،أطالع به القارئ من أول سطر ،لأستعين بكشفه على رد الحماسة والعود إلى هدوء الناقد المتزن 2 ."أما الحكاية فهي قديمة تعرفونها جميعا أريد أن أشير إليها إشارة سريعة علها تشرح لكم حالي وأنا أحاول قراءة هذا الديوان الصغير "غدا تخلع الشمس بردتها "!
دعوني إذا أتريث قليلا لعلي أجيد تمثيل طقوس الحكي حين نسيت طقوس الشعر . أراد الغراب تقليد مشي الحمام فلم يستطع ولكنه أضاع طريقة مشيه أيضا!
هذا باختصار شديد ملخص الأسطورة وهو ما وقع لي .حاولت كتابة شعر على هذا الشعر ففشلت! رجعت استجدي النثر فأنكرني النثر فلا تستغربوا من كلماتي إن هي ماتت على شفتي أو انزاحت عن مراميها وتأرجحت بين شتى الدلالات ! فرحت أخطب ود العبارة كالقرويات يخطبن ود السنونؤ بحناء ملء اليدين كما يقول المبروك السياري في قصيدة انتفاضة الهباء 3
هنا أريد أن أفتح قوسا صغيرا لأذكر عادة جميلة كانت تمارسها جداتنا فيها الشعر بلا قافية ولا كلمات ، فيها دهشة السحر وسحر الخرافة يتضوع منها عطر الجدات وخزاماه الشهية فقد كان من عاداتهن إذا ما دخلت سنونؤة بيت إحداهن واستطعن الإمساك بها أن يمارسن معها بعض الطقوس التي يخصصنها للعذراء عند زفافها حيث يعمدن إلى دهن رأسها وجناحيها وساقيها بالزيت والحناء والعنبر ثم يطلقن سراحها لتمارس فرحها على هواها يزففنها للهواء تغمد فيه جناحيها المعطرين ! فهل يا ترى هذه العادة هي التي أوحت للشاعر بهذه الصورة الشعرية الرائعة ؟
أراكم تقولون لقد استعجل الرجل أمره فامتدت يده إلى الفاكهة ولما تكتمل بعد أطباق المأدبة على الخوان !..
نترك الآن هذه العادة الجميلة عند جداتنا والتي عمدنا إليها مسرعين نريد أن نشير منذ البداية إلى إن الشاعر أظهر قدرة فائقة وولعا بتوليد الأفكار والصور الشعرية من الموروث الثقافي لموطنه إلى جانب الموروث الثقافي العالمي . ونعود إلى هذه القصائد الجادة والتي أخذت في حسابها احترام القارئ واحترام نفسها عن طريق الوقوف الطويل في محراب الإبداع حتى تكون آخذة حضها كاملا لغة ومعني وأفكارا فإذا هي عند التأمل عرائس أبكارا تستحم بالضوء وتغتسل بالعبير وإذا مراميها وأفكارها تظهر ثم تختفي كظلال الغيوم تغازل الشمس تنازعها بردتها حينا وتختفي أحيانا تحت عباءات الصوفية الكبار من أمثال رابعة العدوية والنفري والحلاج الشهاوي ، أولئك الذين أوغلوا في فلوات التأمل الروحي والعشق الصوفي ثم عادوا وقد صرخوا صرخة الظافرين رقصوا في ساحات الإبداع بسيف الكلمات ولا رقصة الغلالات السبع التي رقصتها (سالومي ) 4 للملك الروماني (هيرودوت ) تحرضه على قطع رأس حبيبها (يوحنا المعمدان) ! ...
غدا تخلع الشمس بردتها
هكذا يسم المبروك السياري مجموعته الأولى ! ثمة كثير من الأمل والتفاؤل والطموح والجسارة تختزنه هذه التسمية . هو متفائل مؤمن بالمستقبل عاشق للشمس والنجوم يمد يده للشمس فلا يخشى الوهج ولا يخاف الاحتراق ويظل بلطف يسحب الغلالة شيئا فشيئا بتأن وإصرار وكأنه نحات محترف يسحب الغطاء رويدا رويدا ليكشف للناظرين عن منحوتته الجديدة ،وقد اكتملت قبل حين تمثالا رائع الجمال نابضا بالحياة! ثمة مع التفاؤل والطموح والإيمان بالمستقبل شيء من الحزن الشفيف تتنفسه بعض المقاطع في هذه القصائد يجعلنا نتساءل من أين جاء هذا الحزن لهذا الشاعر الشاب ؟ كيف تسربت هذه الرنة الحزينة إلى هذه القصائد الجسورة المكافحة في سبيل قضاياها !ونعمم الظاهرة فنسأل : علام الدمع يفترع القوافي لدى كثير من الشعراء ؟ .نترك الإجابة للشعراء أنفسهم فنجد صلاح عبد الصبور يقول:
تظل حقيقة في القلب توجعه وتضنيه
ولو جفت بحار القول لم يبحر بها خاطر
ولم ينشر شراع الظن فوق مياهها ملاَح ! 5
وتجيب الشاعرة الليبية بدرية الأشهب قائلة:
تسأل علام أشعاري حزينة ؟
علام الدمع في عيون القوافي
لنَا دهر ساكن حزن فينا
حزن الصخر في أسوار المرافئ ! 6
ويفصح شاعرنا عن بعض دواعي الأسى لديه فيقول
وجئت تنوح ... هنا كان لي مكتب ودواة ... ومر التتار ... وكان خلاء كظيم ! ألاهي يصفر من وحشة قصب الرغبات !
وتؤازر الشعراء مبدعة أخرى هي الأديبة غادة السمان قائلة :
...لا تسرق مني ألمي ،لا تعلمني كيف أخدره ، علمني كيف أكتبه ، كيف أحاصره وأقبض عليه وأسوقه محفورا في الكلمات والسطور !7 .
وإذا فلا غرابة إذا ما توهج الألم وظهر الحزن في هذه القصائد، فالشاعر أي شاعر تنتابه حالات غريبة من الرفض ويعتريه ما لا يعتري الآخرين فهو أحيانا ثمل سكران ،متيقظ صاح أحيانا أخرى ، لا مواقيت ثابتة لسكره وصحوه ! لا يرتاد خمارات المدينة ولا يتردد على حوانيت الضواحي ،فمن أين يجلب راحه إذا ؟ من أحلامه ومن روحه ينتشي! انتشاء الشاعر قد يكون فرح الأطفال بما فيه من هوج وانفلات ، وقد يكون الألم المتكلس في نفوس الشيوخ بما فيه من حسرة وعذاب . فلا تغتروا به طفلا ولا تنخدعوا له شيخا ! فهو عندما ينحو هذا المنحى المفارق لما يزخر به الواقع من نفعية مادية ومجافاة لليقين الروحي وتصحر على مستوى النزعة الإيمانية فإنه يمارس الاحتجاج على نزعة مادية قاحلة الروح في زمن يعج بأدعيائه الكثيرين ومتدينيه القلائل ويحاول خلق عالم مغاير يستند فيه إلى دخيلة نفسه وجوهره ، يبدو كأنه رفض للعادي والمألوف ومحاولة ولوج قصر الروح الخلد الصامت . وإذا فالنزعة الصوفية في الشعر العربي بما يعتريها من رنة حزن أحيانا ليست وليد اليوم أو الأمس القريب ، لم تأت من فراغ وليست هي ترفا زائدا عن الاحتياج ، فما نلحظه من جنوح روحي ميتافيزيقي نشأ كردة فعل للعلمانية والمادية المعاصرة 8
غدا خلع الشمس بردتها
أعجبتني هذه القصائد خضت بركا ساكنة في نفسي ! هي نوارس حركت فينا حنين السفر، غنت لنا مواويل الرحيل فانسابت قوافل الخواطر ترتاد بنا مضارب ابن الفارض والحلاج ورابعة العدوية فنتخمر ننتشي ، نرقص في حلقات العارفين نردد صرخات الشهاوي :
ماء الحرير لي وفضة الجسد
وغيمة أنزلت ماءها في خيوط النعاس
قال قم فبحر قلبك واسع
وظلام نفسك جنة
وجحيمها جسد من الفردوس طاغ
ويجيب السياري :
كلانا انتضى القول جرحا وأغمد صوته حتى نزف
كلانا انتضى القول ضلعا
فهيلت عليه المواويل
أجهر بالقول ثم انصرف
كلانا اصطفى القول خلا
وأدرك في القول أهلا
وشال من اللج نجما بكف
ويتجاذب التناغم بين السياري و الشهاوي من جديد حيث تصير فضة الجسد لدى الأول فضة أخرى لدى الثاني
لها ما تبقى من مديح
فضة الحزن في مقلة شاردة
ويقتفي السياري خطى الشهاوي منطلقا في أجواء صوفية واضحة المعالم فنراه يقول :
سيهمي قارع الأجراس مزنا على شفتيها
ستعرج من هامتي مئذنة
ويصير الطين أغلى
وهنا يستبد بي الطرب وتحركني هذه الباخوسية الصوفية يتساقاها الشاعران فأقول للمبروك :
قم هنا نصلي صلاة الشعر
فالمحراب ينتظر الإمام
في سر سر العشق رتل سورة

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
غدا تخلع الشمس بردتها ( الجزء الأول )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقـــــى جمعيـــة الوشــــم الأدبــــي :: منتدى جمعية الوشم الأدبي :: منتدى النقد :: بوابة نقد الشعــر-
انتقل الى: