منتدى جمعية الوشم الأدبي ببنقردان فضاء مفتوح لكل المبدعين
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 غدا تخلع الشمس بردتها ( الجزء الثاني )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سالم دمدوم

avatar

عدد الرسائل : 22
تاريخ التسجيل : 04/01/2008

مُساهمةموضوع: غدا تخلع الشمس بردتها ( الجزء الثاني )   الإثنين مارس 02, 2009 12:29 pm


أوحت بها هذه القصائد
زرعتها في هديل الحمام
في اختلاج اللون في ريش الحجل
في صياح الديك كلما الفجر أطل !.
غدا تخلع الشمس بردتها
يعود الحزن مرة أخرى في شكل مرثاة للأهل الذين مضوا امتلأت بأطيافهم الأطلال تهتف لنا أرواحهم بأن نكون ورثة العزة وحماة الديار :
مضى الأهل ملآ الطلول بهم
لنا دون كل البرية منهم هتاف
مضوا والقلوب معلقة عند أولهم
عنبر ريحهم وهواهم عفاف .
عنبر ريحهم وهواهم عفاف . كم يأسرني هذا المقطع المضمخ بعطور الطهر والقداسة ! حين يقترن الحب بالعفاف والهوى بالطهارة يستحيل هذا الصوت ترتيلة وجد، وأذان فجر ، ينطلق من مآذن النفس ليغمر الكيان كله ، وترانا أقرب إلى أجواء الصوفية من جديد! ...
غدا تخلع الشمس بردتها
لئن لمحنا ملمحا صوفيا في هذه القصائد فإننا نستشف كذلك رومانسية خفيفة أدى إليها بنظرنا سؤال الهوية :من نحن كيف هو واقعنا في هذا الزمان، ما هي أحوالنا ، ماذا يراد بأوطاننا وأهلنا، كيف كان أجدادنا . ؟ كل هذا مبثوث خلال القصائد مجدول بوهم المطلق . وهذا الواقع لا بد أن يحدث في نفس أي مثقف واع شيئا من الحزن يذكره بزمن كان أجمل. وهكذا تكون هذه القصائد كما هو منطق الأشياء متأثرة بالواقع العربي وما يجري فيه من أحداث أليمة ... تحاول إقامة شبكة علاقات جيدة مع التراث والأديان والأساطير والعادات والتقاليد والتاريخ قريبه وبعيده لتكتسب هويتها وخصوصيتها تختار بحاسة جيدة بين رشح الذات ودلالات الأسطورة لتصنع شعرية النص ومجازه باحثة عن الأجمل والأكثر إيحاءا وتلاوما مع طبيعة الشعر...
هكذا تستحيل هذه القصائد إذا خلوت بها واحتضنتها بحنان ونزعت بينك وبينها هاجس الارتياب ،" صلوات في هيكل الحب" حينا، وتنتصب أحيانا ذاكرة قومية حارة وموجعة إذ تحيلك على سومر والفرات وحمو رابي جلجامش يبحث عن عشبة الخلود كما تحيلك على القدس وانتفاضة الحجارة وعلى أوجاع ليلى المريضة في العراق تلك التي تسرح جدائل أغلالها- ( لا شعرها )- كما تفعل النساء العاديات ! فتستحيل الكلمات مفاتيح آلة عجيبة تختزن أحداثا وانكسارات وشروخا تجلل واقعنا الحزين ويكون مبررا جدا ما لمحناه من حزن يتسلق منارات هذه القصائد . حين تكون جدائل صبايانا أغلالا وسلاسل تكبل حلمها وتكرس عبوديتها ،حين تستباح الأوطان وتدمر الحضارات لا مناص من ألم يأخذ بالنفس مهما حاولنا غرس الرؤوس في الرمال !
غدا تخلع الشمس بردتها
أهديت هذه القصائد إلى صديقة شاعرة فكتبت حولها ما يلي : ... ذوب العطر في كف النسيم ،بوابة الملكوت تنفتح على فضاءات الدهشة ،تزرع في بساتين الروح مشاتل الانبهار والصلوات والبهجة تعيد للنفس بكارة الفرح الأول وعفوية الانجذاب نحو العفة والطهارة والجمال فإذا أرواحنا تغتسل بالأمل وإذا الأمل ينتفض من خلال رماد اليأس كما ينتفض طائر الأسطورة من خلال الرماد ! وإذا قصيدة انتفاضة الهباء تقول ذلك بوضوح :
تهز إليها بجذع الجسارة ليلى
وتدعو الأهازيج من كل صمت عميق
فيعلو نشيد المكان ...
ثم تقول تلك الصديقة :
يحمل إلينا هذا الشاب على كفوف الليل أقمارا ونجمات ونيازك! لعبا وأحلاما ، أشواقا غجرية تختزن أنفاس المراعي وأصداء القطعان رغاء الجمال ودندنة قوافل البدو ينامون على أسرة الرمل ومخالي الفرسان" تعوي من الفقد " تحرك فينا الحنين إلى الماضي وتزرعنا من جديد زيتونا ونخلا وسنديانا وزعترا وحلفاء ودفلى وعلندي في جبال هويتنا وصحارى تاريخنا وسهوب انتمائنا القومي وحتى الروحي بما نتشممه فيها من أنفاس عطرة لإيمان صادق وتدين سمح جميل. كما تحيلنا في كثير من الأحيان على مواجعنا وصعوبة أقدارنا وصراعاتنا مع عنقاء هذا الزمان مصلوبين ننزف قهرا كما تندلق الأحزان من شفة مذيعة عربية يكاد يخنقها الدمع تمضغ حزنها وتروي ما وقع ! قانة في إثر قانة وشهيد في إثر شهيد والفارس العربي ترجل حين أسقطه جواده وباع سيفه وعلى ملعب رقعة الأرض وضع خده تحت أقدام أفيال الزمان ! بين ارتجافات الذهول وانبهار الدهشة وسطوع الحلم واشتعالات الخواطر ووخزات الأوجاع تبعث هذه القصائد في ركود المألوف ما يشبه انفجارات النيازك!
غدا تخلع الشمس بردتها
حين كنت أحاول قراءة هذه القصائد عدت إلى نماذج من الشعر الحديث لمجموعة من الشعراء أمثال : قاسم حداد ،وصلاح عبد الصبور ، وبدر شاكر السياب ،ونازك الملائكة ، ومحمود درويش ،ومحمد علي شمس الدين ،وأدو نيس ،وجمال الصليعي . كما رجعت لبعض قصائد الصوفية وحاولت المقارنة بينها وبين قصائد شاعرنا ، فوجدت قصائده تكاد تكون مماثلا كفؤا لكثير من قصائدهم ! صحيح أنك تتشمم ريحهم في بعض قصائده كما نشم أحيانا عطرا من العطور فنلمح فيه بحاسة بين الحدس والاعتياد رائحة زهرة نعرفها فنقول : إن رائحة هذا العطر تذكرنا بالزهرة " كيت وكيت " كالنرجس والياسمين أو الورد أو غير ذلك مما يتوفر في الطبيعة .ولا لوم على شاعرنا إن هو خالط الحدائق التي استنبتها كبار الشعراء طويلا وتشمم عطر زهورها بذوق وصبر لكي يختار بين رحيقها وشذاها ما يعجبه ليستقطر منه مادة شعره ثم راح يجدل قصائده الخاصة بوهج الموهبة ومحصول الدرس والمثاقفة والإطلاع . ليس في ذلك عيب على الإطلاق وإلاَ لماذا نعمد إلى معاشرة كبار الشعراء والمبدعين الجيدين ? وكيف نتثقف ? وكيف نطور طرقنا وأساليبنا ? وكيف يتقدم الشعر ويتطور ?!
لا شيء يولد من لاشيء . ومن خلال الملاحظة والتقصي يتبين أن العمل الأدبي الرائع أقرب إلى أن يكون دورة لسلسلة من الجهد المتصل والدرس الواعي وليس هو فلتة سعيدة لعبقرية غير مثقفة . إن المبدع يكون مثمرا بقدر ما يستطيع أن يحاور المدونة الثقافية التي تهمه فيصنع روائع جديدة : قصورا ومآذن وعمارات شامخة من بقايا الحضارات التي مرت واختفت و لكنها خلفت ما فيه للملاحظ الفطن الشيء الكثير .
غدا تخلع الشمس بردتها : برغبة الاستمتاع وحدها أقف عند بعض المقاطع سباني جمالها وأسرتني روعتها .
©وجئت تنوح ... هنا كان لي مكتب ودواة
ومر التتار ... وكان خلاء كضيم
إلاهي ... يصفق من وحشة قصب الذكريات
أحس هنا أحزان طفل أو شاعر واقفا على خرائب بيته وقد أحالته العنقاء إلى كومة من ركام ! فقد الأمان وفقد أدوات المعرفة وفقد الأمل عندما مر التتار ولا يملك إلا أن ينوح . عندما يتقصد الشاعر اختيار المكتب والدواة بين كل أشياء المنزل المهدم فإنه يحيلنا على المأساة الحقيقية وهي إن العنقاء تستهدف حضارتنا ورقينا بالدرجة الأولى ،تجهيلنا وإرجاعنا إلى العصر الحجري كما قالها بعظمة لسانه ذات يوم سيد العنقاء !!
© تهز بجذع الجسارة سلمى
وتدعو الأهازيج من كل صمت عميق
فيعلو نشيد المكان ...
نلمح بوضوح ترسم الأسلوب القرآني بما له من روعة وإيجاز وصفاء لغة إذ يحيلنا هذا المقطع على الآية الكريمة "وهزي إليك بجذع النخلة ..." وعلى الآية :"... وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق . "
وعند التأمل نرى ذكاء في التعاطي ومهارة في التوظيف وجودة في الصناعة تشابه جودة صانعي العطور كما قدمنا سابقا ، سلمى لا تطلب رطبا ! هي جائعة لشيء آخر ،إلى جسارة وانتخاء تزيل عنها أغلالها وقهرها تصرخ مرعوبة : "وا معتصماه ..." " ليت للبراق عينا فترى ... " ولكن لا من مجيب ! صمت رهيب ، خنوع ذليل يسم المشهد الملتهب !?غير أن المكان يعلو فيه النشيد وينبت أمل ويمزق الظلمة أخيرا شعاع رجاء فينشأ رفض للعنقاء ويبدأ نصب الفخاخ لها في كل منعرج وطريق .
©وسلمى متى وشوشته مناها
أتى مثقلا بالمراثي الخطاف ...
أول ما يطالعنا في هذا المقطع إدراك جيد لقدرات اللغة على التشكل بأشكال عديدة للاحتيال على المعنى والمحافظة على روعته وجماله . سلمى تسارر أمانيها وأحلامها في خلوة نفس فيجيء الخطاف مثقلا بالمراثي ! من يرثي هذا الخطاف ,? ما دواعي الرثاء ? ماذا وقع ? هل انتكست الأحلام وخابت الآمال وضاعت الأماني في هذا الزمن العربي الرديء ?!
ربما تتبدد هذه الحيرة وهذا التساؤل عندما ندرك إن سلمى وخولة وليلى وهند ما هن إلا رمز للأمة العربية بأسرها يتخذهن الشاعر حبيبات مزروعات في الروح والتعلق بهنَ تعلق بالهوية والأصالة
كن نساء بحجم النساء
وكنا بدورا بليل الغريب
فليس لأنوارهن ضفاف
قرأت كثيرا من الشعر حول ما قالته العرب والأعاجم في النساء ولم أعثر على مثل هذا القول في المرأة !! نساء بحجم النساء . حجم خولة ابن الأزور والخنساء ويا منة دحبور و جميلة بو حيرد وعائشة وفاطمة الزهراء ... نساء بحجم تلك العجوز التي صلب ابنها وتركه الحاكم على الخشبة إلى أن تأتي أمه صاغرة وتعتذر ! وانتظر طويلا حتى بدأ الجسد المصلوب يتآكل فجاءت أمه بكل الشموخ والكبرياء لتقول لهذا الحاكم :
أما آن لهذا الفارس أن يترجل ?!
يطول بنا الحديث لو توقفنا عند كل الصور الجميلة المبثوثة بسخاء في هذه القصائد الجادة التي تبشر ولا شك بميلاد شاعر مقتدر يطلب التفرد ويسعى إليه جاهدا ط وكل من يسعى فلا يضنيه السعي جدير ببلوغ بر الخلاص " كما يقول جوته
وإذا كنت قد رأيت في هذه القصائد مسحة صوفية من جملة ما تتصف به فذلك لأن التصوف كما يقول ابن خلدون في المقدمة نزعة فردية طبيعية في كل إنسان لأنه حنين الروح إلى مصدرها الأول ولاعتقادي بأن الشاعر الجيد والصوفي العارف يلتقيان أحيانا في ما يعتري المبدعين أثناء لحظة انكتاب النص من سورة التوتر المرهف خلال سبحات طويلة بين التأمل والخيال متسلحين بشدة الصبر والاحتمال في إصرار النمل وحرص شغيلته حتى يتيح لهما ذلك التأمل اللهوف والغوص الصادي لحظة الفرح والانتشاء ، لحظة امتلاك الكلمة في عذريتها الأولى واقتناص الفكرة في توثبها وشرودها :" غوصة فعثرة فرجة فتصور ثم صدمة يكون إثرها الفوز فوز يبرمه حوار مواثيقه شهقات محتضر "
نلمح لحظات العذاب هذه عند كثير من المبدعين ولطالما اشتكى منها فحول الشعراء وإيمة المتصوفة حتى إن الفرزدق وهو فحل مضر في زمانه صرح مرة قائلا : تمر علي الساعة وقلع ضرس من أضراسي أهون علي من عمل بيت من الشعر ! ولقد لمحنا هذا الملمح في قصائد المبروك السياري حيث بدت لنا منحوتة من روح الشاعر وعذاباته وإصراره محتفظة بخصوصيتها تصنع شعريتها وجمالها من ثقافة محترمة ومعرفة دقيقة بما للغة من قدرات خارقة على إبداع الصور والأخيلة إذا ما أجيد توظيفها ولقد قيل : في كل قصيدة ناجحة قصيدة ثانية هي اللغة . في ختام هذا الحديث لا يسعني غلا أن أقول لهذا الشاعر الشاب :
ظمئت ، هات أخي ، واسكب ثمانية أخرى ، وظن خيرا ولا تسأل عن السبب !


بقلم سالم دمدوم

--------------------------------------------------------------------

1 كتاب السد ص 9 ط 1955 شركة النشر لشمال إفريقيا
2 صحيفة أخبار الأدب المصرية 03/09/2006
3 غدا تخلع الشمس بردتها ص 49
4 مسرحية سالومي يأليف اوسكار وايلد
5 أحلام الفارس القديم ص 121 منشورات دار الآداب بيروت
6 الشاعرة الليبية بدرية الأشهب _نقطة ضعف ص 34 الطبعة الثانية
7 غادة السمان :شهوة الأجنحة
8 احمد بو زيان _كتابات معاصرة ص82العدد61 أيلول 2006
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
غدا تخلع الشمس بردتها ( الجزء الثاني )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقـــــى جمعيـــة الوشــــم الأدبــــي :: منتدى جمعية الوشم الأدبي :: منتدى النقد :: بوابة نقد الشعــر-
انتقل الى: