منتدى جمعية الوشم الأدبي ببنقردان فضاء مفتوح لكل المبدعين
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 على أي درب يكون الرحيل للشاعرة ساسية الزرقي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الهادي محمد عرجون
Admin
avatar

ذكر عدد الرسائل : 36
العمر : 40
تاريخ التسجيل : 30/12/2007

مُساهمةموضوع: على أي درب يكون الرحيل للشاعرة ساسية الزرقي   السبت مارس 14, 2009 1:04 pm

على أي درب يكون الرحيل للشاعرة ساسية الزرقي



قبل البدء
أهدتني الشاعرة الآنسة ساسية ديوانها المذكور فتسلمته منها شاكرا ورحلت عبر قصائده مستطلعا أول الأمر ولكن بعد حين وجدتني مستمتعا . وإذا هذه القصائد تتيح لي لذة وتهبني شغفا يرحل بي إلى عوالم أثيرية تستفز الخواطر وتحرك هامد الحس ونائم المشاعر فأغدو متوهج الفكر والخيال مقبلا على هذه القصائد بشغف الأطفال ! ووجدتني أتساءل :
إذا كانت هذه المجموعة باكورة عملها وقصائدها الأولى فهي تبشر ولا شك بشاعرة جيدة مقارنة بما تكتبه الشاعرات التونسيات ممن أتيحت لي فرصة الإطلاع على ما يكتبن في الملاحق الأدبية أو بعض المجموعات الشعرية وجديرة بالتشجيع . لذا رأيت أن أشرك قراء "فسيفساء"في التواصل مع هذا الديوان
على أي درب يكون الرحيل . من العنوان تنشأ في نفس القارئ بوادر الحيرة ! فإذا كان الرحيل قد تقرر وحسم النقاش حوله نهائيا .فإن اختلاف الدروب وتعددها يضعنا أمام خيارات متعددة وتنشأ حيرة المبدع تلك الحيرة الملازمة دوما لمرحلة البدايات حين يبدأ تلمس سبل الوصول لما نريد :مدينة الشعر والإبداع ، تلك التي تبدو لأول وهلة وكأنها محاطة بالأسوار وإذا كانت الأسوار _أي أسوار_يصعب دكها وتخطيها فينبغي التسلل عبر مسارب خاصَة لولوج المدينة والقبض على تلك الشعلة الخالدة التي تتلألأ أنوارها في ساحاتها وعبر دروبها ! تلك الأنوار التي تنير العتمة وتحبل النفس بشتى الأحاسيس والانفعالات :أفكارا وأمالا وطموحا وحسا مرهفا بكل ما في الحياة من فرح وحب وجمال وانتصارات وخيبات ...
المسارب متعددة والدروب كثيرة فهل كلها تؤدي إلى روما وتوصل إليها على رأي المثل القديم ؟؟ يبدو أنه ثمة أمل في الوصول إلى مكان ما معلوم ومجهول ! ضبابية قلقة وشيء من الإرباك والالتباس . أي الدروب متاح للرحيل ؟ بحر مضمر تشي به التسمية ،أم جو يوحي به هذا الطائر الخرافي الجناحين ؟ كم هما طويلان هذان الجناحان ! كم يختزنان من عزم ؟ أي طائر هو ؟ هل هو طائر الرخ منبعثا من رحلات السند باد مضيفا إلى حكايات شهرزاد ليلة جديدة بحكاية جديدة ،أحلام أنثى جديدة تعيش زمن الحرية والنور والانترنات ،تستعمل الهاتف الجوال وتسافر بالطائرة ولا تخاف الذبح والسيف في آخر الحكاية ؟!
أربكني هذا الطائر وحيرني .أربكني بجناحيه الطويلين السابحين في فضاء بين النور والعتمة وجهته الفضاء الواسع مخلفا وراءه غلس الظلام متجاوزا قيوده وأقفاصه ،حالما بفضاءات حرة بكر كأحلام الشاعرة البكر . هل هو طائر" الفينيكس " في الأسطورة الشرقية القديمة ،انتفض من خلال الرماد رماد الشاعر الفحل" سعد لزرق " جد الشاعرة البعيد ؟ هل خلف الشاعر الفحل مهرة أصيلة هي( ساسية الزرقي ) تطمح أن تسابق الجياد الأصيلة في ساحات الشعر والإبداع ؟
تقول الأسطورة :إن ذلك الطائر يحترق في هيكل مدينة الشمس بعد كل خمسمائة عام ،ولكنه لا يفنى ولا يحترق ولكنه يبعث من جديد خلال اللهب والدخان متأجج الشباب متدفق العنفوان يجدد شباب الحياة ويسعر جمرة الحيرة ويقدح جذوة الأمل فلا يخبو لظاها أبدا !العرق دساس يقول المثل فهل بعث شيء من سعد لزرق في روح الحفيدة ساسية بالرغم من بعد تسلسل النسب ؟هل لنا أن ننتظر شاعرة مجيدة ؟
نترك الغلاف ونتصفح التقديم فإذا هو في إيجازه شديد الكثافة مكتوب بلغة شعرية تؤشر إلى ما تريد نبضا واهتزازا .نبض شعر واهتزاز وتر داعبيه أنامل عازف شاعر فلغا حينا ثم غفا قصيدة قصيرة استوفت موضوعها فتوقفت . متخذة من إيجازها بلاغة عرف المقدم بالشاعرة على طريقته ،حرضها على الرحيل ،صدقها القول إذ بين لها تعب الشعر وعذابات الشعراء قال لهذه النورسة المفردة جناحيها في فضاء الشعر لأول مرة :لا تخافي الصقيع ،أبحري باستمرار ،ابني عشك على صواري المنشآت ،حلقي فوق الجواري ارتادي كل البحار واجعلي الحب قبل الحب زادك! حب الحياة وحب الجمال والخير وحب الناس ،وحب الصدق والفضيلة والوطن .ليكن حلمك بالأجمل والفضل لا يعرف الحدود ...
إثر التقديم تستقبلنا الشاعرة استقبال أهل البادية لضيف المغرب تهيئ لنا ركنا مريحا بخيمتها سمته مدخل الكلام تؤنسنا في جلسة حميمية وفي لحظة بوح تفتح لنا كتاب النفس فتطلعنا على آمالها وأحلامها وذكرياتها وحبها للترحال ورغبتها في اكتشاف ثقافة الآخر مع حب عميق لوطنها حيث يسافر معها ويسبق حقائبها إلى كل المطارات والمواني ومحطات السفر التي تعتزم ارتيادها وإذا الو طن عنوانها وتونسها هي الحج والمعراج . ترتاد كل الأبعاد يطوح بها السفر بعيدا أحيانا ولكن إليها دائما تعود، في رحابها تحس الراحة وتألف شفافية الأنس ضمن المشاعر الأسرية الدافئة ...
خلال القصائد تنفتح نوافذ المكاشفة فتهطل الأفكار والذكريات والطموحات والخواطر وتستحيل أحيانا صدى انتصارات وانكسارات فيها دفء الألفة والحنان أحيانا وصقيع الهجر والغدر أحيانا أخرى كما هي أحوال الناس جميعا في هذه الحياة !
نتوقف قليلا عند بعض القصائد ،نحاول قراءتها أو إعادة كتابتها إذا استطعنا حيث نلمح لغة بسيطة سهلة تذكر بقول الجاحظ : "ما رأيت قوما أنفذ طريقة في الأدب من هولاء الكتاب فإنهم التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا ولا ساقطا سوقيا "هكذا هي طريقة الشاعرة بتلك الكلمات البسيطة السهلة ،خيطا بجانب خيط ولفظة بجانب لفظة وحرفا بجانب حرف تنسج شبكة صغيرة تقذفها في فضاءات النفس تصطاد بها أدق المشاعر وأخفاها تقدمها لنا صورا جميلة ،عرائس رائعة مجدولة من ماء الحرير وفضة الجسد
تقول الشاعرة عن لحظة لقاء :
إذا ما التقينا ،تكتشف الأزهار شذى عطرها
وتعرف الفراشات جمال ألوانها
وتسكر الأعناب من خمورها
ويختزل الزمن خطاه
هكذا بلقاء المحبوب يتجلى كون آخر تستيقظ الطبيعة والأشياء يكتشف العطر شذى العطر والجمال روعة الجمال وتسكر العناقيد بخمورها في هذه اللحظة العاشقة ينبغي أن يسجد الزمن ،يتريث يصلي صلاة الوصل ويلقي عصى التسيار حينا مفسحا بين لحظاته وقتا أطول للاستمتاع بلحظة فرح توهجت فيها المشاعر ورقصت الاختلاجات احتفاء بالمحبوب هذه اللحظة التي مهما طالت تظل قصيرة وغير كافية !
تحيلني هذه القصيدة على قصيدة البحيرة للشاعر الفرنسي "لامرتين "حيث نلمس استجداء للزمن كي يتوقف قليلا حتى يكون اللقاء بالحبيب طويلا . وتمضي القصيدة في تعداد معجزات اللقاء فالبحار تزداد عمقا واتساعا والسماء البعيدة تقترب قليلا والهلال يصير بدرا وتصبح النجوم أكبر وأكثر وأشد إشراقا تدعم البدر بالنورحتى يستوي روعة وجمالا مهرجان اللقاء يضير الزمن كله ربيعا عندئذ وعلى رأي الشاعرة :
يستعيد الشعر كبريائه والموسيقى سحرها والزمن صباه ويسترجع الكون براءته الأولى . أما حين يعز اللقاء وتنأى بالحبيب تصاريف الزمن فتنشأ لدى الشاعرة حالة أخرى:
كأن الخريف توغل فينا بفصل الربيع
كأني أغني فيشرب صوتي المدى والرياح
تئن الجراح ويشتد لفح اللظى والسعير
فهل من شراب لأشفي الغليل ؟
هل من شراب لأشفي الغليل ؟ هكذا تصرخ الشاعرة بلوعة فقد العاشقين وقد غاب الخل وبعد الحبيب واستعر الشوق وكاد يغلب الصبر يحيلنا وضعها هذا على إحدى شهيرات العشق في تاريخنا العربي وهي فريعة بنت همام عاشقة نصر بن الحجاج فقد صرخت يوما وقد حبسوها ومنعوا عنها حبيبها: "ألا خمر فأشربها ، ألا سبيل إلى نصر بن الحجاج ؟!"وكما صرخت يوما شاعرة تونسية أخرى وهي فوزية العلوي :
هل لفتة ترمي بنجمك في سمائي
هل رشفة تروي صداي .
هكذا يبقى الشعر من أول قصيدة رمزية قالها الإنسان الأول إنسان ما قبل التاريخ بلغته تلك التي لا نعرفها حين نشأت في فؤاده خفقة انجذاب نحو الآخر أو الأخرى تلك الأحاسيس التي دفعت بجدنا البعيد أن يختار زهرة جميلة أو حصاة متميزة أو محارة صغيرة يهديها إلى أنثاه مضمخة بمشاعر الحب والاشتهاء وحتى زماننا هذا وإلى نهاية الكون يظل الشعر صدى لاشتعالات جميلة تعتمل في النفس وعنها يصدر الفرح والإنشاد والاكتئاب والزفرات ...
الموسيقى والإيقاع هما الميزتان الأساسيتان للشعر وبهما وحدهما يمتاز عن بقية أنواع القول ولقد كان بود لير وشعراء آخرون ينكرون أن يكون للشعر هدف أبعد من ذاته ،أو رسالة يحملها إلى ألقارئي غير رعشة الانبهار والدهشة وذلك عن طريق الاستعمال الجيد للغة .وهذه السمات لمحت جلها في قصائد الشاعرة فبالرغم من اللغة البسيطة التي تستعملها استطاعت أن تحدث إيقاعا جميلا تتشربه النفس وتنفعل معه في أغلب الأحيان ففي قصيدة على أي درب يكون الرحيل مثلا نرى فيها بالرغم من طولها نسبيا ذلك الإيقاع الهادئ المؤنس المتناغم مما يجعلنا نتفاءل بمستقبل هذه الشاعرة الشابة ونرى في ديوانها باكورة واعدة بالجميل كما رأى ذلك صاحب التقديم
وفي الختام أقول للشاعرة: واصلي الرحيل وأعملي بقولة" ناظم حكمت ":..أجمل البحار ذاك الذي لم نذهب إليه بعد .!



سالم دمدوم بنقر دان نوفمبر 2006
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wachm.ahlamontada.com
 
على أي درب يكون الرحيل للشاعرة ساسية الزرقي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقـــــى جمعيـــة الوشــــم الأدبــــي :: منتدى جمعية الوشم الأدبي :: منتدى النقد :: بوابة نقد الشعــر-
انتقل الى: