منتدى جمعية الوشم الأدبي ببنقردان فضاء مفتوح لكل المبدعين
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 قول في التراث

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سالم دمدوم

avatar

عدد الرسائل : 22
تاريخ التسجيل : 04/01/2008

مُساهمةموضوع: قول في التراث   الثلاثاء مارس 17, 2009 7:02 am

قول في التراث


نعني بالتراث ما تخلف عن عصور ضربت بعيدا في التاريخ، ما ترسب واستقر لدى الشعوب والجماعات من عادات وتقاليد،أساليب وطرق ابتدعها الإنسان وواجه بها صعوبات الحياة واحتال بها لعيشه وحماية نفسه إزاء التهديد المستمر من الطبيعة مرة ومن أخيه الإنسان مرّات !
وإذا فهو كل ما ترسب في الوعي و اللاّ وعي من أراء وأفكار ومعتقدات وعادات وتقاليد وهو كل ما احتفظ به المحيط من مباني وكهوف وأحجار وكتابات ونصب ونقود وأسلحة وأدوات وما تناقله الرواة من حكايات وأشعار وحكم وأذكار ومدائح وأساطير .وكأي منتج إنساني يظل التراث خاضعا في تكوينه لقانون التحدي والاستجابة ، وما أكثر التحديات التي تجابه الإنسان من أول الخليقة وحتى آخر الزمن إلى جانب لحظات فرح وسعادة عبر عنها رقصا وغناء واتخذ لها من أدوات الزينة ما توفر في بيئته .
وهكذا يتضح إن التراث مبحث واسع غزير المادة متشعب المسالك كثير التفرعات! ثقافة كاملة ناتجة عن تفاعلات جدلية حدثت داخل المجتمع من جهة وبينه وبين المجتمعات الأخرى التي احتك ّبها وتماس معها بشتى ضروب التماس.ويظل الشيوخ من أهلنا من أهم المصادر التي تعتمد في كل ماهو مروي من حكم وحكايات وأزجال وأشعار وأساطير بحكم كونهم أقرب منا للأصول من جهة ومن جهة أخرى فإن مستواهم العمري أتاح لهم معايشة عقود طويلة بكل ما جرى فيها وما وصل إليها من تراث ،ما عاشته من أحزان وأفراح وسنوات خصب وجفاف كلها تركت ولا شك بصمات جلية في سلوكاتهم تبين كيف تعاملوا معها بطرق وأساليب التجئوا إليها لمحاولة الالتفاف على تلك الشدائد بقصد التقليل من أخطارها وأصبحت لهم عادات وتقاليد ورثوها وأورثوها
يقول الكاتب البوسني (إيفو اندريتش ):
يحزنني مجرد التفكير إن مع كل امراءة مسنة تمضي يمحى بيت من الشعر ومع كل شيخ مسن يغيب تدفن مرحلة من التاريخ هذا في اتجاه وفي اتجاه آخر معاكس نجد الباحث الأمريكي " جورج لافي ونسون " يقول :
(ليس أخطر على الشعب الأمريكي من أهزوجة هندية تتندر بها أم أمريكية ليس أخطر على الشعب الأمريكي من تراث الهنود الحمر ..)
ومن هذا المنطلق صار من الأكيد على كل باحث في الجانب المحكي من التراث أن ينتسب مدة من الزمن إلى أكاديميات هولاء الشيوخ للاستماع منهم وتدوين ما بذاكرتهم من موروث محفوظ إذا كان يرغب فعلا في المساهمة بجهد ما في الحفاظ على هوية بلاده وإجلاء ماضيها خاصة في هذا الزمن الذي أصبح قيه مقوم الهوية مستهدفا باستمرار من طرف قو ى عاتية تريد تشويه الماضي و (أد لجة ) التاريخ
والملاحظ اليوم أن جهودا كبيرة تبذل في هذا الميدان حيث صار التراث (البحث عنه ودراسته والمحافظة عليه ) هم كثير من الباحثين من الشباب سالكين طرائق حتى وإن اختلفت أحيانا إلا أنها تظل اتفاقا على أهمية التراث وضرورة الإحاطة به واستنطاقه، يشجعهم في ذلك نظرة وزارة الثقافة إليه باعتباره من أهم مقومات الأصالة والخصوصية والتفرد، وهو الكفيل إذا ما أجيد استنطاقه واستثماره بنحت ملامح شخصيتنا وإبراز مساهمتنا في الحضارة الإنسانية.
وليس اعتماد الشيوخ وكبار السن مصدرا للمعلومة أمرا سهلا كما يتبادر إلى الذهن بل لا يخلو من مزالق قد يقع فيها الباحث المبتدئ من حيث لا يدري ،ذلك أن الرواة هم دائما مصدر خطر للباحث في التاريخ والتراث خاصة ،ذلك إن الأحداث كثيرا ما تتبدل من راو إلى آخر، فقد يكون لناقل الخبر أو الأسطورة أو القصيدة نزعات خاصة به أو رغبة في تلميع صورته أو صورة قبيلته وجعلها هي وحدها مصدر كل معرفة ومنبع كل فخار ،لذا صار من الأكيد الصبر والتأني في تتبع هذه الروايات ومقارنتها ببعضها وعرضها على مناخل النقد الصارم حتى يتسنى الخروج بأحكام أقرب ما تكون إلى الواقع .فقد يلاحظ أحيانا في بعض الدراسات التي تناولت بعض الملاحم والأساطير تسرعا في إصدار الأحكام والخروج بنتائج لا تنسجم مع الواقع ولا يستسيغها الباحث المتزن بحيث ينزاح الهدف من تنشيط للذاكرة إلى توظيف فج للتراث
والتراث ليس التاريخ حتى وإن بدا للوهلة الأولى إن كليهما يهتم بتسجيل أحداث وقعت في زمن مضى ذلك إن التاريخ في الغالب مسيس وكثيرا ما عكس نظرة المنتصر طامسا عن قصد أو غير قصد رؤية الآخر .ثم إنه يتعامل مع الوقائع كأحداث متحركة متلاحقة ترتبط عادة بالتيارات السياسية المتصارعة بينما التراث هو ما ترسب عن حركة التاريخ من عادات وتقاليد ومواقف وطرائق حياة تواضع الناس عليها فأصبحت لها قوة القوانين أحيانا .
صحيح أن التاريخ يظل في أحيان كثيرة حاضنا للتراث باحثا عنه مدونا له كما أن التراث يكون في كثير من الأحيان أهم مصادر التاريخ وأكثرها صدقا بل كثيرا ما ناقض التاريخ وصحح المصادر التي اتفق الباحثون قديما على اعتبارها مصدرا للمعلومة لا يرقى إليه الشك وأحيطت بهالة من التقديس على اعتبار أنها كتب منزلة لا يرقى إليها الشك وعند البحث والتدقيق تبين إن الحقيقة الثابتة ما تضمنته الآثار لا ما ذهبت إليه تلك الكتب !
ومن اسطع الأدلة على ذلك المعركة التي قامت بين علم الآثار المصري ومقولات التوراة في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر حول تحديد عمر الإنسان على الأرض بحيث استطاع علم الآثار أن يقوض ما ذهبت إليه التوراة الأمر الذي اقتنع به اليهود بعد مكابرة وعناد استمر ما يقرب من قرن من الزمان
وهكذا يتضح نوع من التقاطع بين التاريخ والتراث و الأدب والاجتماع والأديان مما يجعل العلاقة بينها لا تخلو من الالتباس أحيانا ،ولو تأملنا جيدا في العادات والتقاليد وحتى الأساطير لوجدنا أنها كثيرا ما تكون متشابهة إلى حد كبير لدى كثير من الشعوب .
وفي هذه النقطة بالذات لا نتفق مع الباحث (غالي شكري) الذي يرى إن التراث أبعد ما يكون عن التجانس . فإن الباحث المتأمل يلاحظ أحيانا تشابها واضحا في كثير من العادات بين بعض الشعوب
1 - فقد شاهدت صدفة شريطا وثائقيا يسجل عادات أهل التبت في الزواج (الجزيرالوثائقية)وأدهشني إن مراسم نقل الفتاة إلى بيت زوجها تكاد تكون هي تماما عاداتنا نحن في الجنوب الشرقي التونسي حيث نشاهد العروس يحملها أحد أقاربها ويركبها وسيلة النقل المتوفرة (حصان ،بغل ،جمل ) ونلاحظ أن الفتاة تبكي ووجهها محتقن والدموع تنهمر من مآقيها ثم بعد أن تستوي راكبة يعطونها الماء والشعير والحنطة فتأخذها بيدها وتنثرها في جميع الجهات ،وهو بالضبط ما تقوم به العروس عندنا عندما كانت الأعراس تقام على الطريقة التقليدية ! ونثر الماء والأرز هناك والماء والحنطة والشعير هنا في مجتمع فلاحي بالدرجة الأول تفاؤل ولا شك بالخصب والأمطار إلى جانب رموز أخرى يضيق المجال على حصرها في هذه الخواطر فأين نحن من التبت جغرافيا ؟!
2 _كان من تقاليدنا أيضا ونحن أطفال أذا أسقط أحدنا سنا من أسنانه فأن أمهاتنا تأمرنا بأن نلقيها إلى الشمس ونقول لها:خذي سن الغزال وأعطني سن الحمار ،وتكتب الباحثة المصرية (ميرفت عبد الناصر )في جريدة أخبار الأدب عدد:320 / 29 أغسطس 1999 هذه الأغنية المصرية القديمة :
يا شمس يا شموسه
خذي سن الغزال وهاتي سن العروسة
خذي عتمه وجيبي نهار
وإذا كان زعلان اديلو بوصه.
3 - كذلك نجد تشابها بين كثير من الحكايات والأساطير بالرغم من تباعد الشعوب التي أنتجتها فحين نتأمل أسطورة ( الجاموس وفار الحقل) مثلا وهي حكاية من حكايات الهنود الحمر* فإننا نجد لها مماثلا في رصيدنا الحكائي يشبهها تماما حتى من حيث الشخوص زيادة على الغايات التي تتغيا ها الحكايتان حيث تقول الحكاية عندنا :إن ثورا داس عش قبرة وقتل جميع فراخها فشكت أمرها لبقية ذوات الأجنحة ،فوعدها الذباب بأن يثأر لها من الثور المتعجرف ،بشرط أن تكلف أحد الجوارح بجرحه قي مكان من جسمه لا يصل إليه ذيله !
تدبرت العصفورة أمرها وكلفت من قام بالمهمة . عندها جاءت أسراب الذباب وباضت في الجرح فتعفن وقضى على الثور قي النهاية .
أما حكاية( الجاموس وفار الحقل ) فخلاصتها :إن الجاموس أعجب بقوته وأراد الاعتداء على مناطق الفار وحرمانه من مصادر عيشه،فتصدى له الفار ودخل في أذنه وصار يعبث بها نهشا وعضا حتى كاد الجاموس يجن وأقر بهزيمته !
واضح إن الأسطورتين تقولان نفس المقولة :القوي المتعجرف يهزمه الضعيف المظلوم إذا عرف مواطن الضعف في خصمه واستغلها استغلالا جيدا !كما تظهران بجلاء ما للتراث من دور في بناء شخصية الشعوب وحثها على حب أوطانها والدفاع عن مصالحها وعدم الاستكانة أمام العدو مهما كان قويا . وهي ثوابت وعتها شعوب كثيرة فقادتها إل النصر في النهاية .
لو أردنا البحث عن أمثلة أخرى لهذا التشابه لمدتنا المصادر في هذا المجال بنماذج كثيرة غير أننا نرى قي ذلك إطنابا غير وجيه في مثل هذه الخواطر التي نريد بها ملامسة خفيفة لهذا العالم الصاخب بالأحداث والرموز والثري جدا بالدروس والعبر التي ترسبت عن مسيرة الإنسان عبر تاريخه الطويل على الأرض فاحتضنت ماضيه وبشرت بمستقبله حتى صار بالإمكان القول :
(لعل في الحكايات الشفوية والمكتوبة يكمن تاريخ البشرية الحقيقي ،ولربما كان بإمكاننا أن نقف من خلالها على فحوى هذا التاريخ والتكهن به ،وذلك بصرف النظر عما إذا كانت هذه الحكايات تعالج الحاضر أو الماضي .. )
فالتراث حينئذ هو الجمرة الغافية تحت الرماد، البذرة التي نجت من أعاصير القحط والجدب التي عملت وما زالت تعمل على قطع الحبل السري بين الشعوب وأصالتها لتمزيق انتمائها ليسهل ابتلاعها! وعلينا أن ننفخ في هذه الجمرة حتى تتأجج وأن نتعهد تلك البذرة ونوفر لها مستلزمات النماء حتى تستوي شامخة متحدية كما هي دائما ،وذلك ممكن بالتأكيد ،فليس التراث جنة ضائعة ولا هو بعيد عنّا "نحن التراث ، وهو ما فينا من قيم تغنَى بها القدامى والمعاصرون ، وهو أيضا ما فينا من طوق وإصرار ومضي .إن تغيرت الأزمان وتبدلت الأحوال وملأ الغرب الدنيا وشغل النّاس فلا تميز لنا إلا إذا هبت علينا رياح التأصيل ...وإن رمت التميز لا مناص لك من التراث تستنطقه والثقافة العربية تقلب فيها النظر وإذا بك تهدم مسلمات ،وإذا بك تكتشف عوالم ! " فهو وحده إذا ما تحذّرنا فيه ينقلنا من ذلة المحاكاة والترديد إلى عزة الابتكار ،حيث يمكننا مشاركة الأمم الأخرى إبداع القيم الفكرية وأشكال الفن.


سالم دمدوم
بنقر‎دان في ‍‍13\5\2008


------------------------------------------------------------------
1 على هامش التاريخ المصري القديم :عبد القادر حمزة .مطابع الشعب.1957 القاهرة ص '41
2 غالي شكري :التراث والثورة .ص 45
*مجلة الكر مل.خريف 1999العدد 61 ص155
3 عبد الرحمان منيف لوعة الغياب ص240
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قول في التراث
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقـــــى جمعيـــة الوشــــم الأدبــــي :: منتدى جمعية الوشم الأدبي :: الشعر الشعبي و التراث :: التراث الشعبي-
انتقل الى: