منتدى جمعية الوشم الأدبي ببنقردان فضاء مفتوح لكل المبدعين
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 قراءة في رواية موسم التأنيث

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سالم دمدوم

avatar

عدد الرسائل : 22
تاريخ التسجيل : 04/01/2008

مُساهمةموضوع: قراءة في رواية موسم التأنيث   الثلاثاء مارس 31, 2009 12:31 pm

موســم التأنيــث



الإهداء : [إلى مريم صنعتها من وجعي فسكنت لي حين أوجعها الضياع]

هكذا تهدي المؤلفة روايتها إلى بطلتها مريم وهكذا نعي إن العلاقة بينهما أكثر حميمية وأشد تشابكا! ولعله من النادر أن يهدي المبدعون أعمالهم إلى أبطال أو بطلات هذه الأعمال غير أن بسمة البوعبيدي عمدت إلى ذلك وكسرت العادة وتخطت أسوار المألوف وجعلتنا نتساءل :
هل أحبت الكاتبة بطلتها حتى أخرجتها من المتخيل إلى الواقع ? لا غرابة في ذلك فالمبدعون يظلون أطفالا مهما كبروا. فمما يروى عن الكاتب الفرنسي (الكسندر ديما ) إنه ذات يوم دخل عليه أحد أصدقائه فوجده يبكي ولما سأله عن سبب بكائه تبين أنه أنهى روايته( الفرسان الثلاثة ) وأنهى بذلك حياة أبطاله ! وكذلك بسمة البوعبيدي من يم المعاناة صنعت بطلة حملتها كل أوجاع المرأة في مجتمع ما زال يجيد قهر الأنثى وتكبيل حريتها بشتى الأغلال واعتبارها سلعة لا غير . احتضنتها بحنان الأم فأحست مأساتها بعمق وعاشت أفراحها وأتراحها وعبرت بصدق وجرأة عما يكتنف حياة الأنثى من عذابات تظل مختبئة في دهاليز المحذور بدعوى الحياء والحشمة بينما هي اختراق لقدسية الإنسان وانتهاك لخصوصيته وكرامته
مهما يكن تظل العلاقة بين المبدع ونصه شديدة الالتباس والتشابك وتظل أفكاره وطموحاته وأحلامه حاضرة فيما يكتب مهما حاول الحياد ومهما عمد إلى الاختباء وراء ظلال أبطاله . هكذا نستشعر هذه العلاقة عموما ونعجز عن إدراكها على وجه الدقة والتفصيل .
لنترك ذلك الآن و نحاول أن نقدم للقارئ ملخصا موجزا لأحداث الرواية لكي يكون لديه فكرة عامة عن وقائعها حتى يمكن إشراكه في هذا الحديث :
مريم بطلة موسم التأنيث فتاة صرع الحقد والغدر أمها إذ كان موتها نتيجة لسعة عقرب دستها لها غريمة لها كانت تطمح إلى امتلاك زوجها ( والد مريم )فتم لهذه الغادرة ما أرادت وأصبحت مريم يتيمة بلا أم تعيش مع قاتلة أمها التي اتخذها الأب زوجة ثم اتخذ ابنتها عشيقة ! تتطور الأحداث فإذا سالمة العشيقة ابنة الزوجة الغادرة تحبل سفاحا ويجيئها المخاض ذات فجر في أحد غرف الحوش تعمدت أمها وعمتها أن تكون في زاوية مهجورة اتقاء الفضيحة ولكن مريم تتنبه لما يجري فتتسلل إلى مصدر الصياح وتتلصص من ثقب المفتاح لترى كل شيء وتكون الشاهدة الوحيدة على الفضيحة والجريمة حيث تعمد المرأتان إلى خنق المولود بمجرد أن يصرخ صرخته الأولى والأخيرة !...
مريم موعودة إلى ابن عمها جعفر ، هكذا أراد الجد وبذلك أوصى ، وينشأ الحب مع رفقة الطفولة بين جعفر ومريم حتى يصير غراما متوهجا... وتجدَ أحداث ويجيء نظام التعاضد في ستينات هذا القرن فيخلخل كثيرا من الثوابت ويربك النسق الهادي لحياة الناس ويغير كثيرا من العادات والقرارات العائلية ...وتجبر مريم على الزواج من رجل آخر، ويقبر حبها الوحيد وتعيش زوجة لمن لا تحب، تمضغ القهر والعذاب حتى ينتهي بها ما تعانيه من زوجها من قهر وإذلال واحتقار إلى إنهاء حياتها بفاجعة أليمة، حيث تعمد أمام سلوكات الزوج الحيوانية إلى تمزيق مهبلها بسكين فتموت !
الموضوع وإن بدا مستهلكا في بعض جوانبه فكيد النساء للنساء بما فيه من حسد وغيرة ومكر واحتيال معروف منذ قديم الزمان إلا أن الكاتبة ارتادت به ناحية يعمها في حياتنا التعتيم حيث انفتحت الرواية على أنفاق بالغة الضيق والظلمة تمارس فيها الخيانات والغدر والجريمة تحت جنح الظلام وتسللت إلى الحياة الزوجية وما يقع فيها في حالات كثيرة من تصرفات يرفضها الشرع والقانون والأخلاق السليمة فاستطاعت بذلك شد القارئ إلى موضوعها وولدت في نفسه الرغبة في مواصلة تتبع أحداثها مندمجا في أجوائها منجذبا إلى عوالمها المتخيلة مشاركا أبطالها همومهم وقضاياهم وصراعاتهم تأخذه أحيانا تلك الهزات المنفعلة فرحا وحزنا. وإذا هو على مائدتها يحتسي كؤوسا مختلفة المذاق وإن غلب عليها طعم المرارة ، إلا أنها توفر لذة وتحدث انفعالا يصل إلى حد تخطي موقف الحياد بمفعول التقابل الدرامي بين قبح المشاهد التي تعرضها وبين الروعة في تصويرها بذلك الأسلوب السلس واللغة الناصعة التي استعملتها الكاتبة لتصوير أفكارها والتي تستحيل أحيانا إلى صور شعرية رائعة
إذا كانت (موسم التأنيث ) تتغيا الغوص في حياة الأنثى وكشف ما يحيط بها في حياتها الخاصة من ملابسات وما تعانيه من الآم تسببها المعاملة اللا إنسانية التي يعمد إليها أحيانا بعض الرجال متخذة من محيطها ومن عاداته وتقاليده بعض السلوكيات المريضة موضوعا سلطت عليه الأضواء وكشفته للقارئ بمنتهى الشجاعة والصدق، فإنها إلى جانب ذلك سلطت الضوء أيضا على حقبة من التاريخ التونسي المعاصر كانت على قصرها بالغة التأثير في الشعب غيرت كثيرا من عاداته وطرق تعامله وأسلوب معيشته هي فترة التعاضد وما انطوت عليه من تطبيق متعسف للاشتراكية في ستينات هذا القرن حيث مثلت وثيقة هامة تسجل تلك الفترة وتدينها بطريقة المبدع بعيدا عن المباشرة والتبشير وذلك حين تصور الحياة في واحات الجريد قبل التعاضد وما فيها من يسر وتناغم وسعادة تنعكس على المتساكنين في إقبالهم على فلح أراضيهم بطرق وأساليب توارثوها من قديم الزمان وأحسنوا التعامل معها، وبين ما ساد الحياة في هذه الواحات من اضطراب وفوضى زمن التعاضد وكيف انعكس ذلك على سلوكهم وممارساتهم اليومية
تظل هذه الرواية موسومة بسمة العنف المأساوي في نهايات أبطالها : نهاية مريم ، ونهاية أمها قبلها نهاية جعفر ،نهاية قصة الحب بينه وبين مريم ،نهاية الوليد الذي أخمدت أنفاسه إثر الصرخة الأولى نهاية الواحات حين فارقها اخضرارها المتوهج ونكست هاماتها جراء ما أصابها من تطبيق نظام التعاضد
ويظل مشهد الختام في هذه الرواية أشد المشاهد إيلاما وأكثرها عنفا وسادية يصور بكثير من العمق والجرأة ما يجري في حياة كثير من النساء وراء الأبواب المغلقة حيث تتحول المعاشرة الزوجية التي يفترض وينبغي أن تؤثث فظاءاتها بالحب والحنان والود لخلق علاقة حميمة بين الزوجين تتيح ذلك التواطؤ المضمر بما فيه من حنان ودفء الذي يضفي عليها روعة وهناء يتحول كل ذلك إلى عملية اغتصاب فجة تحطم النفس وتهدم شخصية المرأة وتسحق إنسانيتها وتحيلها إلى أحط أنواع الحيوان لأنها بحكم الطبيعة هي المتضررة والمستباحة والمقهورة فيحدث ذلك في نفسها شروخا فضيعة قد تدفعها إلى الإجرام!
تلك هي مآسي مجتمعاتنا حيث تكون المرأة فيها سلعة لا غير أداة للهو والمجون في كثير من الأحيان أوعية صديد لا تملك أن تريد أو لا تريد تعيش ممزقة بين الخضوع والتصدي بين الرضاء بالقهر والتعسف وبين المقاومة والاحتيال في محاولة لصيانة الذات من الوقوع في الرداءة . نلمح سلوكها هذا خلال المدونة السردية من شهرزاد في ألف ليلة وليلة إلى حسنة بنت محمود في موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح إلى يوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم . وإذا كانت شهرزاد قد احتالت بالقص والحكايات لترويض الذكر واتخذتهما وسيلة لتنجو من السياف فإن حسنة بنت محمود قد عمدت إلى التصدي المباشر وطعنت الحربة بالحربة واستأصلت جبروت الذكر في الذكر...أما مريم بطلة موسم التأنيث فقد دفعها إحساسها بالقهر إلى أن تنتقم من نفسها ومن ضعفها فعمدت إلى تمزيق نفسها وإنهاء حياتها بهذه الطريقة المأساوية وفي ذلك احتجاج صاخب رهيب،فيه رفض للذات وللطبيعة ، ورفض للأنثى تماما... إنها تحتج على معاملة الرجل لها، على مفهوم العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة في ذهن الرجل الكبش، وعندما مزقت ما مزقت فإنها تزيل مبتغى الذكر في الأنثى تماما !
لا نجانب الصواب بالتأكيد إذا قلنا إن الكاتبة قد نجحت في تبليغ قضيتها وأجادت تصوير أحداثها وأظهرت شجاعة نادرة وجرأة كبيرة إذ اقتحمت كهوف ( التابو )المظلمة وسلطت الأضواء الكاشفة عليها فعرت دهاليزها السرية بطريقة جعلتنا ندرك جيدا شدة المرارة والقهر المسلط على مريم حتى لا نكاد نتقبل سلوكها السادي العنيف مع نفسها
تظل هذه الرواية موسومة بميسم العنف والقسوة مشتملة على مشاهد تنضح مرارة وألما مشهد سالمة في حالة مخاض وقد حملت من سفاح ، مشهد خنق المولود بمجرد أن صرخ صرخته الأولى،مشهد العراك بين الفتاتين وقد تطور إلى عنف شديد تمارسه إحداهن عن الأخرى ويصل إلى حد تجاوز المباح ولا أتصور قسوة تتجاوز ما عمدت إليه إحداهن ضد غريمتها وهما ما زالتا صغيرتين تلعبان بالخرز !
أما أشد المشاهد غرابة عجائبية فهو مشهد اختبار غشاء البكارة :
" قلن لها لا بد من الاطمئنان على عذريتها بتفقد غشاء البكارة قبل الابتداء في مراسم العرس ! اشتعل جسدها رعبا، وزاغت نظراتها، وسقط صوتها في أحشائها ... حملنها وأوصدنا دونها سبل النجدة ...طوقنها وفتحن ما بين فخذيها ... رأت في وجهها بشاعة الدنيا وهي تهم بها ... عجوز غريبة النظرات والهيئة ، ترفع أمامها يدا عجفاء ذات أصابع طويلة تعشش القذارة تحت أظفارها !.. شكتها الأظافر القذرة بين فخذيها ...حين غاص إصبع الجحيم فيها متحسسا باحثا ، التهب القبل والدبر قبل أتتقيأ "
تعمدت أن أنقل هذا المشهد للقارئ كما رسمته الكاتبة لإطلاعه على ما فيه من رداءة تثير في النفس أشد حالات التقزز بما يكتنفه من قهر وتعسف كانت تسلط على الصبايا ( بناتنا ) من طرف شمطاوات جاهلات انتصبن حارسات لأردأ العادات وأشدها إجراما !
سمعت الكثير عن ألاعيب العجائز مع الصبايا الصغيرات ولكن هذه العجيبة مثلت لي إضافة فريدة من نوعها لم أجد مثيلا لها لا عند ( كافكا ) ولا ( راسبوتين ) ولا غيرهما من روَاد الغرائبي والعجيب سلوكا وإبداعا مما يدفعني إلى أن أشكر الكاتبة ، أشكر لها شجاعتها لولوج دهاليز المستور لفضحه وتدنيسه ورجمه وتأليب الناس عليه حتى تقع محاربته واجتثاثه وتخليص بناتنا من شره فالرواية – أي رواية – كما يقول غالب طعمه فرمان:" أقل ما توصف به إنها شجاعة مكتوبة معركة إيمان قبل كل شيء" .
هكذا تتجرأ بسمة البوعبيدي في سبيل الدفاع عن قضيتها على اجتياز الخطوط الحمر التي رسمتها أعراف وتقاليد جائرة فكسرت حصون التابو وسلطت الضوء ففضحت وأوضحت وتسللت إلى أخفى الخفايا في جسد المرأة بطريقة مغايرة لما يعمد إليه بعض الكتاب الراغبين في الشهرة السريعة والنجومية المبتسرة فيوظفون مشاهد الجنس وكشف المستور من جسد المرأة توظيفا فجا يهدف إلى شد القارئ المراهق لا غير فكل ما كشفته كان موظفا هادفا بعيدا عن المجانية ولإغراء وكانت ملتزمة بقضيتها أمينة لموضوعها همها الدفاع عن بنات جنسها مخلصة لوسم تأنيثها ويبدو أنها نجحت في ذلك وحققت الهدف الذي تنشده فأحدثت الرجة المطلوبة التي تخلخل المألوف وتهز أركان العادي لإخضاعه للمساءلة والدرس لتحديد موقف سليم منه .
يقول هنري جيمس :" إن اختتام الرواية من أكثر النقاط خطرا لأنه بالضبط المنطقة التي يختبئ في أدغالها الوحش الجمالي ، وهو مصدر المقاومة المضادة في الرواية ، وتحت وجه الغزارة المحسَن تختفي الصورة المروعة للأجل المحتوم !"
ذكرني بهذه المقولة النهاية المأساوية المفجعة للرواية ووجدتني وجها لوجه مع هذا الوحش الجمالي الذي يثير الروعة والرعب في نفس الوقت .
هذه خواطر تولدت في ذهني وأنا أفرغ من قراءة موسم التأنيث وبما إن هذا العمل هو الأول للكاتبة في جنس الرواية فإني استطيع القول إني ألمح في كاتبته فسيلة نخل ثابتة الجذور سوف تنمو وتزدهر وتأخذ مكانها قريبا بين باسقات النخيل في غابات الإبداع المخضوضرة على الدوام .


سالم دمدوم
بنقردان في 24/05/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قراءة في رواية موسم التأنيث
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقـــــى جمعيـــة الوشــــم الأدبــــي :: منتدى جمعية الوشم الأدبي :: منتدى النقد :: بوابة نقد السرد-
انتقل الى: